عن الدين كفرا وإلحادا من غير حجة قاطعة من كتاب الله أو ما تواتر من حديث الرسول، وإنما تعصبا لرأي المذهب والطائفة، وتقليدا لقول فلان وحكم علان.
وذلك أن الجنة التي سكنها آدم وزوجه بأمر الله لهما بقوله (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) قد اختلف العلماء من أصحاب المذاهب سلفا وخلفا في هذه الجنة ما هي؟ وأين هي؟ هل جنة أرضية؟ أو هي جنة سماوية غير جنة الخلد؟ أم هي جنة الخلد نفسها التي أعدها الله للمتقين؟.
فذهب في تعيينها بالاسم والمكان طائفة وهي تقول وتجزم أنها جنة المأوى دار الثواب التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة جزاء بما كانوا يعملون من الصالحات، وتزعم هذه الطائفة إن هذا قول أهل السنة والجماعة، وما عداه فهو قول أهل أزيغ والابتداع من المعتزلة والقدرية كما يقول ويرجحه بعض المفسرين كالقرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن.
وطائفة ثانية تقول: أنها جنة من جنان الأرض- بستان فيها، محتجين لذلك بعدة وجوه كما يأتي قريبا، والبعض منهم يعينها بأرض عدن، والبعض يقول: إنها على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء، وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى (اهبطوا مصرا)، وقد حكى ذلك كثير من المفسرين منهم صاحب البحر المحيط أبو حيان الأندلسي، وجمال الدين القاسمي في تفسيره المسمى «محاسن التأويل».
والطائفة الثالثة تقول: أنها جنة سماوية ولكنها غير دار الخلد، وبعضهم يسميها جنة عدن، كما جاء في تفسير أبي حيان عند قوله تعالى لإبليس بعد امتناعه من السجود لآدم قال تعالى: (اهبط منها فما يكون لكان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين) قال: والضمير منها لم يتقدم له مفسر يعود عليه، فقيل يعود على الجنة، وكان إبليس من سكانها، وقال ابن عباس: كانوا في جنة عدن لا في جنة الخلد، وخلق آدم من جنة عدن، نقل هذا عند تفسيره للآية 13 من سورة الأعراف.
هذه الأقوال الثلاثة، أو نظريات مزاعم الطوائف الثلاث في مسالة جنة آدم، ولكل طائفة وجهة في الاحتجاج والتدليل على ما ذهبت إليه، وبالأخص الأولى والثانية من الطائفتين المتقابلتين في القول بأنها جنة الخلد، أو بستان من بساتين الأرض.
وهناك قول رابع يقولك أن الكل ممكن، والأدلة متعارضة، فوجب التوقف وترك القطع.
أما أصحاب القول المحتكر الذين يزعمون أو يزعم بعضهم- انه قول أهل السنة بالخصوص، وانه عقيدتهم وحدهم، من كون الجنة التي سكنها آدم وزوجه جنة الخلد- وان القول بغير ذلك هو قول المعتزلة والقدرية- هكذا بغير تحفظ- فأقول: أن هذا الزعم ليس بصحيح، وهو من باب إلقاء الكلام على عواهنه من غير مبالاة ولا تدبر رجما بالغيب.
وقد راجعنا الأقوال والنصوص في هذه المسالة فوجدنا كلا من أهل السنة والاعتزال في هذا الاختلاف سواء، وذلك أن جماعة كبيرة ممن يسمونهم بالمعتزلة ليقولون بما يقوله أهل السنة، بأنها جنة سماوية ومنهم واصل بن عطاء والرماني والجبائي المشهور- وهو من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره- وقد قال عن جنة آدم أنها كانت جنة الخلد بمثل ما يقول به الجمهور من أهل السنة، وكذلك جار الله الزمخشري صاحب الكشاف وهو يضير في تفسيره إلى أنها جنة الخلد لا غير.
أما أهل السنة فان كثيرا منهم ليقولون أنها جنة أرضية مثل ما تقوله طائفة من المعتزلة وغيرهم.
نذكر هذا هنا ليعلم أن المسألة ليست مسالة سنة أو اعتزال كما يلمز المتعصبون مناهل المذاهب غيرهم تنفيرا وتخويفا لأصحابهم وأبعادا لهم من أن ينظروا، وأحرى أن يتفكروا في غير ما هم عليه تعصبا للمذهب بحق أو باطل.
جاء في كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح للإمام شمس الدين ابن القيم قال: قال منذر بن سعيد* والقول بأنها جنة أرضية ليست بجنة الخلد.
* لعله منذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة بالأندلس اذ لا يوجد منذر بن سعيد آخر بين مشاهير العلماء المحققين.