سواء كان جنسيا أو عقائديا أو اجتماعيا أو ذاتيا، فكلما حصل نزاع بين عادات الإنسان وميوله من جهة، وبين مقتضيات البيئة الخارجية المتمثلة في المؤسسات وأنظمة التربية وأنماط السلوك من جهة أخرى، وتكونت العقد كمرحلة أولى نحو الجنون في نهاية المطاف، فما دامت الثقة غير متوفرة في قلب الإنسان ومادام الاطمئنان غير حال في عقله كان مهددا دوما بالمرض النفسي، والإسلام جاء ليقضي على الميكروب النفسي الأول وهو القلق والاضطراب والفصام بتركيز الإيمان في قلب الإنسان، ففي الإيمان اعتقاد أن لا نفرق بين حياة الأرض وحياة السماء، فلا فصام ولا نزاع بين متطلبات الحياة الأخرى، بل هنالك ترابط دائم لا ينفصم، وفي الإيمان ثقة هادئة في عدالة السماء وفي الولاء لله وحده فلا عبادة لمخلوق وبهذه الثقة وبهذا الولاء تصبح النفس في حرز وحمى من انحلال الشخصية وانفصامها، فالإسلام حصن ضد هذه الآفة التي تصيب الإنسان وهي آتية له من نفسه، لان المرض النفسي يصدر من النفس وقد يكون انعكاسا من المجتمع أيضا ولذلك وجب إصلاح المريض النفسي إصلاحا نفسيا اجتماعيا، وهذا ما فعل الإسلام حين جعل هذا الإيمان وهذه الثقة في الله لا تكمل ولا يكون لها مدلول إلا إذا كان لها سلوك اجتماعي لان الحياة الاجتماعية السليمة سد منيع ضد الاضطرابات، وهذا السلوك الاجتماعي يتمثل في الحب، الحب بأوسع معانيه الإنسانية: حب الفقير والعطف عليهن حب الإنسان من أي لون كان أو جنس أو بلاد، بل حب الناس كافة، حب الحيوان، وحتى الجماد لأنها من صنع الله، وهذا الحب الشامل من شانه أن يقضي على عقد الاستعلاء والغرور وعقد النقص والأنانية وأسباب الأثرة، وهذه العاطفة تدريب اجتماعي حاسم نحو العمل السليم. والحب من شأنه أن يحقق السلام، سلام النفس والعقل حتى أن الإسلام هو دين السلام، وان التحية الإسلامية هي تحية السلام والايخاء، قال الرسول (لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) - وقال تعالى: «إنما المؤمنون إخوة».
بهذه الحواجز المنيعة حمى الإنسان في الإسلام من الأسباب الأولى لأمراض النفسية، ولعلع هذا هو الذي جعل العلماء العرب المسلمين اسبق المفكرين إلى ميدان التطبيب النفسي قبل مدرسة شاركو في باريز وفرويد في النمسان كان الطبيب العربي فخر الدين الرازي يعتقد أن تلاوة القرآن والعمل به شفاء من الإمراض الروحية الخبيثة، قال في كتابه «مفاتيح الغيب»: (واعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الجسمانية، أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهرن وذلك لان الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فسادا الاعتقادات الفاسدة في الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر، والقرآن مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة فيها، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ في هذه المطالب والقرآن يشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب من العيوب الباطنة لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني ... ) إن اثر القرآن على النفس هو من قبيل الإيحاء من شدة الاعتقاد.
ولكن امهر الأطباء النفسانيين العرب هو دون ريب ابن سينا الذي صال وجال في كل علم وفنن أن الشيخ الرئيس آتى في كتابه «القانون» بالبذور العميقة لأسلوب التحليل النفسي الفرويدي القائم على طرح الأسئلة للتعرف على أصل المرض وآثاره الأولى، استعمل هذه الطريقة العلاجية لعلاج مرض العشق ومرض المانخوليا، وقد نقل النظامي السمرقندي قصة ذلك الفتى الذي اعتقد انه قد صار بقرة وأصبح يطالب بذبحه حتى يؤكل من لحمه. وقد حار الأطباء في علاجه إلى أن علم به ابن سينا فصدق ما رواه الفتى المريض وجعل يشاركه اعتقداه بأنه صار بقرة وانه حان ذبحه فضرع في ذبحه فعلا وعند ذلك اعلمه الطبيب ابن سينا انه لا يجوز ذبح بقرة هزيلة فلا بد من أن تطعم حتى تسمن، وصدق الفتى مقالة الطبيب الرئيس ولكنه حينما بدا تناول الطعام زالت عنه تلك الأوهام، وشفي من مرضه، أن ما يحكى عن شخصيات الرئيس ابن سينا لتعتبر آية في العلاج النفسي البصير.
وبالإضافة إلى هذه المهارة الطيبة في ميدان الأمراض العقلية امتاز العلماء العرب بعلاج فريد في نوعه استمدوه من صميم روح الإسلام وهو ما يتعلق بعلاجهم للأمراض الخلقية كالغضب والحسد، يقول العلامة ابن مسكويه في بيان تأثير الغضب في الجسم والعقل: (الغضب في الحقيقة هو حركة للنفس يحدث لها غليان دم القلب شهوة لانتقام، فإذا كانت هذه الحركة عنيفة أججت نار الغضب وأضرمتها فاحتد غليان دم القلب وامتلأت الشرابين، والدماغ يصبح