مظلما مضربا يسوء منه حال العقل ويضعف فعله ويصير مثل الإنسان عند ذلك مثل كهف مليء حريقا .. لذلك يعمى الإنسان عن الرشد ويصم عن الموعظة وليس له في تلك الحال حيلة وإنما يتفاوت الناس في ذلك حسب المزاج)، وقد كتب أيضا الإمام الغزالي كتابات رائعة في هذا المجال حول أسباب الغضب ونتائجه وطرائق علاجهن ومن آرائه حول العلاج ما ذكره في الأحياء قال (وللتخلص من الغضب يجب إزالة هذه الأسباب بأضدادها، فينبغي بأضدادها، فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع، وتميت العجب بمعرفتك بنفسك .. وتزيل الفخر بأنك من جنس غيرك، إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد .. وإنما الفخر بالفضائل .. وأما المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر وتفضل عنه ... وأما الهزل فتزيله بالجد في طالب الفضائل والأخلاق الحسنة، وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل) أي بالتفكير في أصل هذا الغضب وفي معرفة مصادره، وأما العمل فهو العلاج الفعلي بالقول أولا كان يذكر (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فان لم يتحقق ذلك، فاجلس إن كنت قائما، واضطجع إن كنت جالسان واقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك ذل نفسك واطلب بالجلوس والاضطجاع السكون فان سبب الغضب الحرارة، وسبب الحرارة الحركة فقد قال رسول الله: إن الغضب جمركة توقد في القلب، الم تروا إلى انتفاخ أوداجه، وحمرة عينه فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا فان كان قائما فليجلس وان كان جالسا فليقم). ولا أحسب أن علم النفس الحديث يستنكر هذا العلاج الحكيم.
وخلاصة القول إن الإسلام وضع الحجرة الأساسية لأساليب العلاج النفسي بعد أن تنكر لما عهد في الجاهلية من وسائل قائمة على التمائم والخرزات والإيمان بتأثير الجان والأرواح الخبيثة- لان العلاج في الإسلام يقوم على الاستبصار وهو وقائي أكثر منه علاجين فلا تجد التفضيل العلاجي المعروف عند الأطباء الاختصاصين، وإنما اكتفى بان قدم العلاج الوقائي الإنساني الذي يصون العقل ويحمي النفس، وإننا لا نلمس عند الأطباء العرب ابتعادا كبيرا عن روح القرآن، بل نجدهم يتخذون نفس المنطق ونفس المنهاج، ولذلك كانوا سبق المفكرين إلى التحليق في عالم النفس وأدراهم بخفاياها وزواياها، بل تعدى علمهم من علاج الانحراف السلوكي في الأخلاق وهذا ما لم يعهد به عند المحللين المعاصرين مع العم أن المرض الأخلاقي انحراف نفسي في مراحله الدنيا.
وهكذا حق القول بان الإسلام أتى بالجديد في حقل العلاج النفسي بعد أن ميزه على كافة الأساليب الأخرى المعروفة في دنيا الطب قديما وحديثا.
الرباط: جمال الدين البغدادي