تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 .................... ص21

العلاج النفسي في الإسلام

للأستاذ: جمال بغدادي القادري

إن الذي يمعن النظر في الإسلام تتجدد لديه جوانب العبقرية الأصلية الكامنة في مراميه الخالدة ومقاصده الإنسانية، بل يتحقق عند الباحث انسجام الإسلام الدائم مع الأوضاع الاجتماعية الجديدة والمطالب الحياتية المتغيرة، كان الإسلام أدرك ما تصير إليه حياة الإنسان في المستقبل القريب والبعيد في بيدائه أو قريته أو مدينتهن وبهذه الواقعية المتطورة نتلمس كلمة الله العليا الخالدة خلوده سبحانه.

فهذه حياتنا اليومية الصاخبة المنطلقة إلى الأمام وهي تدفع الإنسان دفعا حثيثا مكلفة إياه بمهمات تزداد تعقيدا ومشقة فلا تترك له فرصة الاستجمام النفسي ولا الأصالة الفكرية وأصبح الإنسان في المجتمعات المادية سنا في الدولاب ليس له وجود ذاتي، كأن هذه الحضارة المادية الطاغية من عجينة لا تنفعل مع روحانية الإنسان، هذا الكائن المؤلف من الآمال والأحلام والحب والطموح في حاجة إلى حضارة لا تهمل هذه المكونات النفسية وإلا أصبح في صراع مع ميوله الفطرية ولا توازن مع متطلبات النفس الملحة، ولعلع هذا اللاتوازن بين حاجيات الجسد وبين حاجيات النفس هو الذي يفسر لنا كثرة الأمراض العقلية والاضطرابات النفسية، وشيوع حوادث الانتحار وتفشي الحسرة والقلق بين الناس لان الإنسان وجد نفسه عبدا للآلة في وسط مادي ساحق، إذا كان الجسد يتحمل المجهود المبذول فهو أكثر تحملا من العقل، ولذلك كانت الأمراض العقلية والنفسية أكثر عدا من أمراض الجسم بجميع أنواعها، ولقد دلت الإحصاءات على أن فردا من بين خمسة عشر فردا لابد من أن يدخل إلى مستشفيات مرضى العقول (هذه النسبة العددية ذكرها «بيرز» على حالة سكان نيويورك) وفي مجموع الولايات المتحدة يبلغ عدد الأشخاص المحتجزين لضعف العقل والجنون أكثر من ثمانية أمثال مرضى السل الذين يعالجون في المستشفيات ويقبل كل عام ما يقرب من 68.000 حالة جديدة في المؤسسات التي يعالج فيها المجانين وإذا استمر القبول بهذا المعدل فان قرابة المليون من النشء والأحداث الذين يوجدون اليوم في المدارس سيكون في وقت ما داخل مستشفيات الأمراض العقلية.

ومعنى هذا أن المذاهب الاجتماعية والحياة الصاخبة في المدن أفلست في تحقيق التوازن العقلي والاستقرار النفسي، وان المدنية المعاصرة كلما تعقدت كلما ارتفع مرضى العقول والنفوس، فكيف واجه الإسلام هذا الوضع الخاص بإنسان القرن العشرين؟ وكيف أتى بالعلاج النفسي لازمات الإنسان الدائمة مادام الإسلام هو الرسالة الخالدة الصالحة لكل زمان، والنظام الذي تتحقق به السعادة الكاملة؟

لقد نزل الإسلام على العرب وهو في بيئتهم الاجتماعية الصحراوية التي لم تشتمل على المشاكل التي نعيشها اليوم، ومع ذلك فقد تنبأ الإسلام إلى السليم الذي من شأنه أن بقي الإنسان من الاضطرابات النفسية المختلفة سواء في أمسه أو في يومه أو في غده.

وكانت اللبنة الأولى التي وضعها المفهوم النفسي الإسلامي هب لبنة الإيمان، والإيمان يرادف الاطمئنان النفسي في مصطلح الطب العقلي، وقد اتفق جميع المحللين النفسانيين على إن السبب العميق لمكل الإمراض النفسية هو الاضطراب والصراع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٥٩