تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفتاة التي "تتبختر" على الرصيف الآخر حيتني منذ ايام وأنا واقف في مكتبة "ن" .. انها ساحقة الجمال، الحق، لقد خفق لتحيتها قلبي، "الابيقورية" لذة لا تنتهي ومتعة لا توصف .. شيء جميل أن يحيا الانسان ابيقوريا، ولكن لن يتسنى له أن يحيا في ارحب وارفع مستويات "الابيقورية" الا إذا كان ذا مال كثير وكثير جدا، شك ما لا يمكن أن يوجد عندي في أن "س" كان يعبد "أ" عبادة، ولكنه لم يتزوج بها، تسمرت في مكاني وأنا اراهما مساء امس يلتقيان تحت جنح الظلام .. كل منهما قد تزوج فما عاد ينفع غير الظلام لخنق الفضيلة ...

كم يروقني أن أتحدث عن الحب، وافيض في الحديث ولم لا؟ أليس هو سر الكون وجوهر الوجود؟ بغير خلجة شك لو نبض الحب في عين الانسان، أي إنسان، وأوراق في مقلتيه أخضر، جميلاكحلم الربيع لسعد سعادة، تصويرها عسير جدا، عند ما قلت لها ذات مساء:

- لو أن الناس، كل الناس، هللوا للحب وكبروا له لقادهم ضياؤه حتما الى مشارف الحقيقة .. اتفهمين؟

- اجابتني في صوت "مزماري" مدغدغ:

- لا .. لم أفهم، انا امة في الفلسفة ...

.. واطلقت ضحكتها البيضاء التي تكشف عن روعة قلبها الاخضر، الصغير .. كل مباهج الحياة ورونقها وبهائها وفتنتها احسها تعربد من حولي وانا أنظر الى ثغرها وهو ينغم:

- أجبك ... أحبك ...

- سبحان الله .. هذا الرجل يشبه تماما صديقي الاسباني (ك- ل) .. يا ما أروع الامسية التي قضيناها معا في مقهى "الربيع" ببرشلونة .. كم هو معجب بالشاعر (كرسيا لوركا) وكم تنتفخ أوداجه وهو يتحدث لي عن (سرفانطيس) ويجلل اسمه بهذه العبارة: أمير الادب الاسباني.

بعضهم يقول له: "الطأطا" وبعضهم يقول له "فيدل كاسترو" كجلمود صخر ينقض على هذا الإنسان كلما جلت في تلك المقهى، يظل لحظات يثرثر و "يخطب" ولا ينصرف حتى "يسلبني" سيجارتين أو ثلاث ...

صديقي ( ... ) فنان .. لتعرف ذلك حسبك نظرة قصيرة العمر الى عينيه المتحركتين دوما، الباحثتين أبدا عن شيء، مجرد شيء ليخلق منه لوحة زاخرة بالحياة، نابضة بالصدق، اذا استفسرته:

- إلى أي مدرسة يمكن أن تنسب هذه اللوحة ... ؟ ضاق بسؤالك ذرعا و "تفضل" عليك بنظرة:

- قسما بروعة (بيكاسو وفوضي سلفادوردالي) ما عرفت معناها يوما، ثم يشفعها بكلمات يلقيها على مسمعك القاء:

- الفن، فن، يعني انطلاق، حرية ... لا ... لا أعترف بالمدارس في الفن ...

غير ما مرة قلت:

سمه "مرسما" ...

ولكنه كان يجيبني دائما وفي عينيه اصرار:

- لا .. لا ... استوديو ..

جنازة تمر ... كم احزنني خبر موت ..

الدحمان .. كانت طفلا هادئا وادعا .. كان صديق الجميع .. ما زلت اذكر، لقد همست في أذن صديق لي ونحن نسير مع الجنازة:

- هذا الحشد الحاشد من الموتى لم لا يعود لي دنيانا واحد .. واحد منهم فقط وعلى محياه وعناء السفر ليحدثنا عما رأى وعما أبصر ...

- ابتسم الصديق، ولم يعقب على كلامي ...

"أن من يزرع الريح يحصد العاصفة" ...

كلمة رائعة، لم أعد أذكر في أي كتاب قرأتها ...

في فترة مبكرة جدا من مطالعاتي عرفت أن لكل فنان ملهمة، ومنذ أن عرفت (ن) وسؤال يلح على خاطري: هل تكون (ن) ملهمتي ... ؟

ولكن سؤالاآخر يتراقص على شاشة ذهني: هل أنا فنان .. ؟ لست أدري ...

قليل .. قليل جدا من أدبائنا من يرفع راية ديكارت في نقده .. ليس هناك شك في أنه لا يوجد الا القليل والقليل جدا من الأدباء الذين يحكمون على الاثر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٢٢