تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنا أزعم لك أن هذا لا يمت من قريب ولا من بعيد الى فتوغرافية الأدب الأمريكي كما أنه ليس "فوضى" ادبية وليس "سريالية نفسية" ولكنه شيء آخر، شئ جميل وجميل جدا، لأنه يتيح لنا فرصة نرى خلالها نفسية الانسان الاديب على حقيقتها في فترة من الزمن قد تطول وقد تقصر، بل ان ذلك يمكننا من قراءة أثر ادبي يصور واقع نفس الأديب في كينونته لا في صيرورته تصويرا دقيقا، صادقا، وبذلك .. بذلك فقط يكون ادبا انسانيا، عميقا، بعيدا عن السطحية والضحالة، بعيدا عن الغش والكذب والنفاق النفسي ... ولن اتعرض هنا بالكلام الى شرح "الغش" و "الكذب" و "النفاق النفسي" فان ذلك لا محالة سيفضي بنا الى موضوع: "الالتزامية في الأدب أو اللا التزامية في الأدب".

ولهذا الاتجاه النفسي في الأدب زعماء ومعضدون اذكر لك منهم على سبيل المثال لا الحصر الشاعر الانجليزي "ت. س. اليوت" وله لفتات بارعة عن هذا الاتجاه وطريقته في التعبير، استمع اليه يقول:

لتكن (كتابة الاديب) كالسحابة تزجيها الرياح الشمالية الشرقية منسابة في غير شكل ...

حياة الانسان مجموعة من حوادث عابرة

لقد ملئت ايامنا بالتوافه الضئيلة ...

يشغلنا هذا، وذلك، ثم ذاك وما يتلوه

يشغلنا ما قاله فلان هنا، وما قاله فلان هناك، وما دار في ظن العم المكتهل.

نسأل: هل أمطرت السماء أو لم تمطر؟ ومتى امطرت؟ وهل عجنت الفطيرة ببيضتين أو ثلاث؟

ولهذا الاتجاه من الجنس اللطيف مناصرات ومعضدات، منهن الكاتبة الانجليزية "فرجينيا وولف" التي تقول:

"علينا ان نسجل الخواطر كما تقع في الذهن وبالترتيب الذي تقع به مهما يكن من التفكك في ظاهرها .. ان الحياة التي محياها لا تتمثل في الذي يسمونه فكرة أو خاطرة عظيمة بأكثر مما تتمثل فيما يزعمونه تافها حقيرا ... "

ومهما يكن من أمر فان الكلام عن هذا الاتجاه التفسي يطول ويتشقق، وقد سبق لي أن حدثتك عنه بشيء من التفصيل في مقالتي "اتجاه" و "تجربة" المنشورة في صفحة الأدب والثقافة بجريدة "العلم" منذ شهور .. اما الآن فليس لك الا أن تقرأ هذه المقالة التي هي في الحقيقة "ربورتاج" لمجرى خواطر انسابت في منطقة شعوري خلال برهة زمنية كنت واقفا خلالها على ناصية طريق ..

على ناصية طريق ....

الساعة الخامسة مساء ...

الكآبة في المساء تؤذن بنزول مطر غزير .. بعد نصف ساعة ستكون هنا بقامتها الهيفاء، بالجمال الذي يرتعش رائعا في أعماق عينيها، "بالفينوسية" التي تترقرق على تقاسيم وجهها المشرق، على هذه الناصية تعودت ان اقف دوما انتظر قدومها في لهفة مفعمة بالشوق، لست ادري لماذا تصبح اللحظات -عندما أكون أترقبها- ساعات عريضة .. تقيلة، وأيضا لست أدري لماذا تصبح الساعات-عندما نكون معا- لحظات قصيرة كعمر نور النيزك .. العواطف، الامال، اللهفة، الشوق، قد .. قد يكون لهذا دخل في الموضوع ...

لادخن سيجارة. سيخيل الي وانا أنفث دخانها الأسود انني ابدد .. الزمن من حولي .. ابدا "نصف ساعة" الباقية، نبضات قلبي عنيفة، ومتلاحقة .. عند ما نجلس جنبا الى جنب سأطلب منها أن تضع رأسها الصغير على صدري لتستمع الى النبضات العنيفة، المتلاحقة، كلما وقفت هنا الا ورأيت هذا الرجل يطل من نافذة غرفته، انه عديم الذوق والا لما "امطر" الرصيف ببصقاته المتوالية .. انني لا أعجب كيف وصل هذا "الشر" الى السكنى في مثل هذه العمارة، "م" كلما حدثته عن الزواج الا ولاحظت انه يحاول ان يغير مجرى الحديث، انه ينفر من الزواج ويكره الحديث عنه .. يبدو لي أن في قلبه يرقد طيف انسانة لا يستطيع أن يصل اليها ...

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٢١