دعوة الحق، س5 - ع8 - 9 ماي-يونيه 1962 .................... ص82
تجربة أدبية جديدة: على ناصية الطريق
بقلم: الاستاذ الحسن الوراكلي
من بين مدارس الادب الحديثة واتجاهاته السائدة تطالع الباحث مدرسة اواتجاه نفسي في الادب، تبرعمت اكمامه في بلاد سكشبير وحملت الكلمة سحره الحلال وعطره المضواع الى غير بلاد سكشبير من تلك البلاد التى تقع في غرب اوربا وغيرها.
هذا الاتجاه النفسي في الادب لايريد من عباد الحرف أو الهته -كما تشاء- ان يخلقوا الموضوعات بالقوة والاجبار، ولكنه فقط يريد منهم ان يسجلوا خواطرهم كما تقع في شعورهم دون أن يتخيروا منها شيئا آخر، ذلك لان زعماء هذا الاتجاه لايفرقون بين شيء اسمه =خاطرة خاصة) وبين شئ اسمه (خاطرة تافهة)، انهم يعتبرون خواطر الانسان كلا لايتجزأ، فهي الخامة الخالدة لكل الفنون التي عرفها الانسان والتي سيعرفها فيما بعد، وهذه الخواطر كالماء لالون لها، ولكن لها رائحة ولها طعام، بعبارة أخرى:
الخواطر ليست قسمين: تافهة وهامة -وهذا لونها المزعوم -فتهمل الاولى وتؤخذ الثانية، ولكنها ذات طعوم وروائح، ولما كانت النفس الانسانية تشبه الى حد ما سمفونية تحتوي على الحان مختلفة، فيها ما هو تافه (بطبعه) وفيها ما هو هام (باصله) ولن تكون السمفونية سوفونية الا اذا احتوت على كل تلك الالحان فان الادب، أي ادب، يعني بتصوير النفس الانسانية لن يكون ادبا بالمعنى الدقيق والدقيق جدا لهذه الكلمة الا اذا جسد لنا هتافات تلك النفس التافهة والهامة ونداءات اعماقها التافهة والهامة ايضا،
باختصار: البناء الادبي النفسي (الخالد) و (الرائع) الذي نستطيع بقراءته ان نلمس الواقع بخيره وشره، بجماله وقيمه، هو الذي يعجن -دعنا من لغة الخبازين _يشيد من خواطر ذات طعوم مختلفة وروائح متباينة ..
ودعوة هذا الاتجاه النفسي في الادب الى تسجيل كل الخواطر التافهة والهامة التي تسيل في شعاب النفوس ليست دعوة (فارغة) وليست دعوة عابثة، وليست -ثالثا -دعوة كل همها ان تخالف ما اصطلح عليه الناس لتعرف بمدرستها وزعمائها عملا بمبدأ (خالف تعرف)، ولكنها دعوة (جميلة) اقصد انها تنطوي على الحقيقة، وهي اجمل شيء في هذا الوجود سواء كان طمعها حلوا او مرا ووجهها مشرقا أو قاتما ..
فماهي هذه الحقيقة .... ؟
انها تكمن في الاشياء الصغيرة، التي لها دلالة كبيرة، وترقد في الامور الدقيقة، التي لها معنى رفيع.
ان الخير والجمال والفضيلة والنور و (سببا) من اسباب اسعاد البشر ونشر السلم في "كرتهم" ..
كل ذلك قد نقول عنها نحن "تافهة" وقد يتركها الاديب ولا يسجلها، لانها تافهة ..
وثمة شيء آخر .. ان
ان الخواطر تنساب في نفس المرء مفككة، لارابط يجمع بينها في "وحدة موضوعية "غالبا فهل على الاديب ان يسجلها كما انسابت: في نفسه .... ؟
اصحابنا زعماء هذا الاتجاه النفسي وانصاره لا ييحفلون بالوشي اللفظي والوضع الغوي ولا يعيرون كبير اهتمام لترصيع الكلمات وتنعيم الالفاظ فيما تنفثه أقلامهم منى جائشات انفسهم وخواطرها ...
أقول: لايحلفون بكل ذلك بقدر ما يحلفون بتسجيل خواطرهم كماى تنساب في مفازات شعورهم بدونى ترتيب مقصود ولاتنظيم مصطنع ...