وقال نجم الين الحراني المتوفى سنة 700 أن غانة مدينة عظيمة سميت باسم إقليمها وهي أكبر بلاد السودان وأوسعها قطرا ومتجرا، ولهم زوارق في النيل (النيجر) عظيمة، ولها ملك كبير كثير الجنود وله ممالك كثيرة. وقد أيد ابن خلدون ما ذكره هؤلاء وشك في شرف أصحابها بدون سبب معقول، والمهم أن ابن بطوطة ذهب الى السودان وتعرف بهذا الملك العظيم ويظهر أنه توجه الى هذه الناحية بطلب من ملك المغرب في سفارة الى منسي سليمان ولذلك أمره بالعودة إلى المغرب وهو في تكدا ولم يشر ابن بطوطة الى هذه السفارة، ترى الا انه كتمها؟ أم انه استدعاه ليدون رحلته أو هناك سبب لم يذكره المؤرخون.
وترجع محاولة ابن الحسن لتحسين صلته بالقاهرة الى المكانة التي أصبحت تتمتع بها بعد بغداد، ويحدثنا ابن بطوطة عن وجود سلطان افريقيا المخلوع زكرياء اللحياني بالاسكندرية وعناية حكومة القاهرة به، وعن وجود محمد المراكشي الذي زعم انه ابن المرتضي الموحدي وسنه 95 سنة في عذاب فقد أصبحت مصر ملجأ النازحين من المغرب والأندلس بسبب اضطراب الأمور بها، وكانت دولة المماليك بلغت الأوج وامتدت حدودها شمالا حتى قليقلة، وجنوبا الى ما وراء الحجاز، وغربا الى افريقيا وشرقا الى الفرات. أما في العراق وفارس فكانت دولة ايلخانات المغول، وفي البلاد الشمالية حتى نهر الفلجا فكانت دولة القيلة الذهبية المغولية، كما كانت دولة مغولية أخرى (الثالثة) في بلاد ما وراء النهر حتى الصين، وفي الهند حكمت دولة إسلامية الى معظم شبه الجزيرة وصول هذه الدولة دويلات إسلامية مبعثرة في آسيا الصغرى وأفغانستان وشواطئ المحيط الهندي، وقد درس العالم الاسلامي في هذا العصر الدكتور زيادة في كتابه عن ابن بطوطة. وأعانت هذه الوحدة الإسلامية المتناسقة ابن بطوطة على أداء رحلته في جل البلاد الإسلامية وكان المغاربة مبثوثين في عدة وظائف ببلاد الشرق وذلك ما ساعده على التوغل في عدة بلاد، فديوان التفتيش في قطيا وهي مركز الحدود بين مصر ودول المغول كان به مغربي يقوم بمهمة التحقيق في مغربية المسافرين، ولقي في سجلماسة قاضيا عرف اخاه في الصين كما أنه يستأنس باليمنيين فيسجل التشابه بينهم وبين المغاربة في كثير من الاحوال مما يقوي القول بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من البربر، وكذلك أخبره منسي موسى أن في خليج السودان قاض من البيضان يكنى بأبي العباس الدكالي في هذه البلاد النائية.
شاعرية ابن بطوطة:
كان ابن بطوطة شاعرا مقلا وهذا ما لا يعرف في ترجمته وقد أورد لنا في الرحلة قصيدة قالها في ملك الهند ومع الأسف لم يسرد منها الا سبعة ابيات هي كل ما نعرف من شعره ومطلعها:
اليك أمير المؤمنين المبجلا *** اتينا نجد السير نحوك في الفلا
فجئت محلا من علائك زائرا *** ومغناك كهف للزيارة آهلا
فلو أن فوق الشمس للمجد رتبة *** لكنت لاعلاها اماما مؤهلا
فأنت الامام الماجد الاوحد الذي *** سجاياه حتما ان يقول ويفعلا
ولي حاجة من فصل جودك ارتجي *** قضاها وقصدي عند مجدك سهلا
أأذكرها أم قد كفاني حياؤكم *** فان حياكم ذكره كان أجملا
فعجل لمن وافى محلك زائرا *** قضا دينه ان الغريم تعجلا
كتاب تحفة النظار:
هل كان ابن بطوطة رحالة بالمعنى العلمي؟ وهل كان ابن بطوطة عالما مفكرا؟ لعل من البديهي ان ابن بطوطة لم يكن الا رجلا متسع العقل راغبا في الجديد الغريب يشبع رغبته بحبه للاسفار البعيدة، ثم صور ذلك في كتابه بجمل مقبولة واعجاب ساذج وملاحظة فاكهة لا تخلو من دقة نظر، ولم يكتب ابن بطوطة رحلته وانما دونها شاعر وكاتب من بلاد فاس هو محمد ابن جزي احد أولاد العالم أبي القاسم ابن جزي المتوفى سنة 757 بامر من السلطان أبي عنان المريني بعد أن استمع السلطان الى روايتها فأعجب بها وخشي عليها الضياع، وقد نقلها بثلاث أساليب، (الأول) أن ينقل كلام الشيخ بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها،