(والثاني) ان يورد لفظه على وضعه، (والثالث) أن يرجع إلى المصادر القديمة ككتاب البكري ورحلة ابن جبير ويكون ذلك أول الفصول كحديثه عن الاسكندرية أو عن دمشق وغير ذلك، ولذلك يكثر ابن جزي من الأوصاف عندما يذكر أسماء البلدان والعواصم المشهورة كدمشق والقاهرة .. الخ، وكتب ابن جزي كذلك عناوين لبعض الامور المهمة في نظرة، وكان إذا شك اعتمد على الراوي فنسب اليه كل شيء، واجتهد في نفس الوقت ان يقيد المشكل من أسماء المواضيع والرجال بالشكل التنقيطي وشرح ما يمكن شرحه من الأسماء والكلمات الأعجمية حتى لا تلتبس على الناس. وهذا التحرير على هذا النحو يظهر التناقض بين بحث نقدي وبحث يحاول سرد الحوادث فلذلك يكون تارة نقدا عابرا اخويا ولكنه في نفس الوقت جديا، ولا سيما عندما يكون المحرر ينقل عن ابن بطوطة بنفسه.
أما أسلوب الرحلة فتظهر فيه نفاسة التعبير عند ما يكب المحرر نقط الموضوع في أسلوب خاص أو عندما يحاول أن يحسن العرض والوصف ولا شك أن ابن جزي هو الذي ضمن الكتاب عدة نقول عن ابن جبير وغيره، وعند ما يتوخى الكاتب عبارات ابن بطوطة يتهلهل الاسلوب الى حد كبير فيصبح يتجاوز الانشاء المنحط أحيانا ويبدو خاليا من التأليف والترتيب.
قيمة الرحلة:
للرحلة أهمية كبرى من جهة معلوماتها القيمة عن العالم الاسلامي في القرن السابع عشر حيث يتضمن وصفا للبلاد وحكايات، وقصص وخرافات وتحقيقات تاريخية مهمة، ولا سيما في الصلات بين أجزاء العالم القديم والمظاهر المتعلقة بالعوائد والتقاليد للسكان وابن بطوطة وان كان كثير الذكاء فهو كما يقول بروكلمان كثير الملاحظات وقد اغرق في الاعتقاد بالكرامات واقتناص الخوارق حتى اتهمه دوساسي في المجلة الأسيوية بالخروج عن الموضوع والتصديق الساذج بكل ما يقال (انظر الروائع)، ولا يخفى ان بن بطوطة كان صادقا فيما يروي من كرامات وخوارق لأنه كان يعتقد ذلك، وكان همه أن سرد ذلك وبالأخص في عصر كعصر بني مرين الذي حفل بالأولياء والصالحين ولهذا فقد ذكر في رحلته اسانيد العلماء، وما أخذه من مشاييخ الصوفية باصبهان وغيرها طبقا لما كان معمولا به في الماضي.
انتشار الرحلة:
لقد كتب ابن جزي رحلة ابن بطوطة في أسلوب سهل حتى يتأتى للجميع ان يقرأها بسهولة وتوخى الكلمات السهلة الفصيحة مما حدا بكثير من كتاب الشرق كالبستاني في الروائع والدكتور زيادة في كتابه عن رحلتي ابن جبير وابن بطوطة والمعلقين على مهذب الرحلة إلى اتهام أسلوب الكتاب، والغريب أن الجميع يعلق على كثير من الكلمات ويشرحها شرحا غريبا لا يناسب ما يقصده ابن جزي الذي كان ينتقي الكلمات العربية التي لم تستعمل في المشرق فتظهر عامية لمن لم يمارس العربية بدقة، وذلك لتسهيلها على القارئ المغربي وقد تصدى الاستاذ كنون للرد على الدكتور مصطفى زيادة.
ابن بطوطة ورحلته:
لست أشك أن عودة ابن بطوطة الى المغرب أثارت فضول رجال الفكر والقلم، وقد تطوع ابن جزي أول الأمر بكتابة الرحلة كما يظهر في غضون الكتاب حيث ذكر أنه اجتمع في غرناطةبابن بطوطة وقال عنه: (ومتعنا الشيخ أبو عبدالله باخبار رحلته وقيدت عنه أسماء الاعلام الذين لقيهم واستفدنا منه الفوائد العجيبة)، ولا شك أن ابا عنان المريني اختار الأديب ابن جزي ليتقل الرحلة باقتراح ابن بطوطة كما يظهر من هذا النص، وكان ابن بطوطة يفتخر بجولاته فلذلك اهتم الناس بها كثيرا، ومما يدل على افتخاره بها ما قاله للسائح المصري الذي لقيه بالأندلس فذكر عنه أنه جال الأرض الا أنه لم يدخل الصين وسرندين والمغرب والسودان، أما أنا (يعني ابن بطوطة نفسه) فقد زدت عليه بدخول هذه الأقاليم.
وقد كان كثير من مواطنيه يكذبونه وبالاخص فيما كان يروي عن الهند، وشايعهم ابن خلدون في ذلك وان كان بعض مترجمي ابن بطوطة ظن أن نص ابن خلدون في الدفاع عنه لا في اتهامه، فالظاهر العكس وقد نهاه الوزير فارس بن وردار نهاه عن انكار ما لم يره، وحاول ابن خلدون ان يضع مقياسا لاخبار ابن بطوطة حيث قال: فليرجع الانسان الى أصوله وليكن مهيمنا على نفسه ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته، فما دخل في نطاق الامكان قبله، وما خرج عنه رفضه، وليس المراد الامكان العقلي وانما المراد بحسب المادة التي للشيء