تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالغ في الإعتماد على العقل وارتكز كثيرا عليه وانكر ما لم يشاهده، وقد نبهه إلى ذلك الوزير فارس بن واردار، سيما وقد ايد ابن بطوطة الرحالون الاوربيون الذين زاروا الشرق بعده مثل فريسكو بالدي، وماركو بولو، أما ما ذكره دوساسي في المجلة الآسيوية من كونه اهتم بسرد الخوارق والمعجزات والكرامات فهو يتفق وعقلية ابن بطوطةوعصره الذي كان عصر الكرامات فهو يتفق وعقلية ابن بطوطة وعصرهالذي كان عصر الكرامات والزوايا.

رحلته:

تحول ابن بطوطة من حاج إلى رجل جوال آفاق، وقد طمح أن يطوف بالعالم المعروف في عصره فقد شاء في مقتبل عمره أن يحج غير أن طبيعته كانت تملي عليه أن يرحل الى أطراف المعمور، ولعل مسقط رأسه طنجة كان باعثا على هذه الاسفار لأنها معبر للتنقلات ومدينةفي موقع يتصل بالعالم اجمع، وفي الرحلة انه التقى في عبدان باحد العباد الذي دعا له بقوله بلغك الله مرادك في الدنيا والآخرة، وقد عبر ابن بطوطة عن مراده في الدنيا بقوله ان يجول العالم، غير أنه رغم وصوله الى أقصى العالم القديم في (خان بالق) فانه لم يتمكن من رؤية شمال الاندلس ولم يتجاوز الجنوب الشرقي منها فضلا عن فرنسا وانجلترا وايطاليا وصقلية، مع أن الكثير من سلفه قد تعرف على هذه البلاد وكتب عنها الشيء الكثير، وأظن أن الحروب المستمرة بين المسيحيين والأندلسيين حالت بينه وبين تحقيق هذه الأمنية، وابن بطوطة اصبح بعد مغادرته المغرب سائحا متجولا همه ان يعرف العالم وسكانه، وأصبح شعاره كما قال في الرحلة ان لا يعود من طريق سلكها ما أمكنه ذلك.

ترك ابن بطوطة طنجة سنة 1325م ولم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره قاصدا مكة، غير أن هذه الرحلة الى الحج انقلبت الى جولة استغرقت أربعا وعشرين سنة شملت افريقيا الشمالية واسيا وتعرف خلالها على أهم عواصم العالم القديم وحج أثناءها ست مرات، وقد كانت هذه أهم رحلاته اذ فيها وصل الى الصين والهند وفيها ولي القضاء مرتين مرة في دلهي ومرة في ذيبة المهل، وكان ابن بطوطة ينوي زيارة الهند عن طريق اليمن غير انه لم يجد المركب والرفيق فذهب الى مصر ومنها الى العلايا ليسلك طريق البر.

أما الرحلة الثانية فابتدأت من فاس 1350م واستمرت سنة واحدة وكانت غاية ابن بطوطة أن يجاهد ويرابط ضد (الفونس11) ملك الدولة المسيحية بقشتالة وكانت دولته أخذت تنمو نموا مطردا على حساب الدولة الإسلامية في غرناطة ولكن ابن بطوطة لم يلبث أن أصبح متجولا كعادته فلم يقم طويلا ليجاهد ويرابط ولم يخض معركة وانما أخذ يتنقل من بلد إلى بلد ليصفها وصف السائح في السفر، ولما رجع الى فاس لم يقم الا فترة ليوالي سفره في افريقيا السوداء.

وأما الرحلة الثالثة والأخيرة فابتدأت من فاس في سنة 1352م وتعتبر من أهم الرحلات نظرا لكون ابن بطوطة من القلائل الذين غامروا في ذلك الصقع النائي، والغالب أن ابا عنان أرسل ابن بطوطة إلى هذه الناحية ليتصل بملوكها وأمرائها ويحيى العلائق التجارية والسياسية معها وقد كان ابو الحسن واصل ملك مالي منسي بن موسى، ابتدأ رحلته الى سجلماسة فتغازي زاعري كارسخو _مالي قرى منسي تنبكتو-كوكو-كهار-هكار. ثم رجع عن يودا إلى سجلماسة فدار الطمع ففاس.

والجدير بالذكر أن هذه البلاد قد استرجعت بعد استقلالها اسماءها التي احتفظت بها رحلة ابن بطوطة وقد حاول المستعمرون أن يطمسوا هذه الأعلام فكنا نجد صعوبة في فهم موقع مالي وغيرها لأن اسم ساحل العاج والكلمات الغربية غلبت على المصطلحات الأهلية.

وملاحظة ابن بطوطة في هذه الأصقاع ملاحظة رجل حنكته التجارب وخبر المجتمعات فكانت مفيدة جدا، اضف الى ذلك ما في رحلته بصفة عامة من معلومات عن الاقتصاد، وتبادل الإنتاج الفلاحي والزراعي والمواد الرئيسية المحجوبة من سائر الأقطار، ووصف الحيوانات النادرة ومكانها وقد خص فؤاد صروف هذا الموضوع ببحث دقيق، على أن ابن بطوطة ظل يخطئ في نهر النجير ويسميه نهر النيل رغم أن الإدريسي وغيره عرف ينابعه، ورغم ان المرابطين في الجنوب يعرفون الكثير عن أنهار افريقيا السوداء، مما يدلنا أن ابن بطوطة لم يكن يطالع كتب الجغرافية والرحلات، وإنما كان جوالا مشاهدا فقط، والواقع اذا كان عمل المؤرخ هو سرد تجربة الأمم، وعمل الرحالة هو سرد تجربته الشخصية فقد وفق

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٧٦