تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أنه استطاع بما درس من فقه أن يتولى منصب القاضي المالكي في دلهي وهي من عواصم الاسلام في عهده، وان يتولى القضاء كذلك بجزائر الملديف Maldives التي كانت معروفة بديبة المهل، كما تولى القضاء في ركب الحجج المغربي وحسب ما يذكر ابن الخطيب في نفاضة الجراب فقد تولى القضاء في تامسنا بالمغرب، وأن اتصاله في كل مدينة بالعلماء والفضلاء اكسبه استفادة من علمهم وخبرتهم حتى خولت له نفسه ان ينتقد ابن تيمية ويتهمه في تفكيره وعقله، وأن يجيزه كبار العلماء كابن الشحنة الذي سمع عنه البخاري في أربعة عشر مجلسا بقراءة البرزالي وأجازه اجازة عامة في دمشق، كما سمع عن مجد الدين اسماعيل بن محمد ابن حداد مسند الشافعي ومشارق الصاغاني في شيراز، وسمع في بغداد مسند الدار عن السراج القزويني.

وكان ابن بطوطة مسلما يثق في الكرامات وبالأولياء ولا يتعرض لذكرهم الا بالتقديروالإحترام، وجاور في المدينة المنورة سنتين كاملتين رغم ولوعه بالاسفار، وكان يابى أن يتناول عن كرامته كمسلم ولو كلفه ذلك غاليا، فقد ابى أن يدخل الى كنيسة ابا صوفيا بعد شرط المترهب جرجيس ان يسجد للصليب وتجرا على الملك ايذج وتستر لما راه يشرب الخمر فأغلظ في نصحه كما يدل اعتزاله القضاء في ذيبة المهل عن مدى نزاهته واستقامته، وقد استكمل ثقافته في البلاد الهندية التي أقام بها كثيراحيث تعلم اللغة الفارسية واعانته ذاكرته القوية وحافظته المتينة على استظهار كلمات من شتى لغات الأقاليم التي زارها، ومارس الشعر أيضا فكان من المتفقهين الشعراء، ثم لا شك ان نباهته ولباقته خولته مكانة السفارة في بعض الأقاليم فسلطان دلهي محمد شاه بن طغلق ارسله في سفارة الى ملك الصين، كما خدم السلطان محمد اوزلك او (ايزبير) كسفير له حيث صحب زوجته Baylon بيلون بنت اندرونيق Andronicus إلى القسطنطينية.

أخلاق ابن بطوطة:

يستفاد من تربية ابن بطوطة الدينية انه كان رجلا مسلما متدينا يثق بكلمات الولياء وتوجيهاتهم فقد سافر بدافع هذه الروح الدينية التي املت عليه ان يقصد البيت الحرام لأداء فريضة الحج، وأبى عليه شبابه ان يستسلم لمزالق الشهوات فعف وتزوج في طريقه"الى الحج مرتين، كما كانت الثقة بالزاهدين والفقراء المتعبدين راسخة في قلبه، وكانت كلمات اولياء الاسكندرية كعماد الدين الكندي والشيخ خليفة وأبي العباس المري والشاذلي أكبر معين له على تحمل أعباء السفر بل كانت موجهة له إلى الرحلة النائية وذخره وزاده كلما خلت يداه، لقد دعا له جلال الدين التبريزي في بنغالة ليصبح مسافر العرب والعجم واخذت نبوآت الأولياء تتحقق فقد رأى في أول تجوله في الهند بهاء الدين القرشي وهو أحد الثلاثة الذين أخبره الشيخ برهان الدين الأعرج بالاسكندرية انه سيلقاهم في رحلته ولم يلبث ابن بطوطة المتدين الورع ان اصبح فقيرا زاهدا خرج عن الدنيا واقبل على الله يوالي صومه خمسة ايام متوالية ويعتكف في المسجد، وأصبح في دلهي اذا أكل الطعام يؤذيه ولولا ان سلطان الهند أخرجه من خلوته لاستعذب الحياة الروحية.

وابن بطوطة رجل عاطفي رقيق الشعور سريع التأثر ولقي من بعد والديه وصبا، وتكبد لفراقهما نصبا فهو يدعو لهما في كل مناسبة، تكفي كلمات عذبة لتوتق الصلة بينك وبينه كما قد تكون كلمة نابية كافية لقطع العلائق، وهوسريع التخلق بسكان البلد الذي يقيم فيه، فقد ركب العربات وأكل لحم الخيل وذاق البوزة يحفظ لغة أي اقليم في يسر وسهولة ويتأثر بعاداتهم وطعامهم لا يجد في ذلك حرجا أو مشقة، وقد تزوج في رحلته عدة مرات تزوج في طريقه إلى مصر مرتين كما في الرحلة، وتزوج في ديبة المهل من ربيبة السلطان، ثم تزوج من ثلاث نساء غير زوجته كما تزوج في الهند وتوفيت بها ابنته، يحب الاهتمام بهن فإذا لم يحفل به أحد تصارعت عبراته كما حدث له عندما وصل الى تونس وبرز أهلها للقاء الزبيدي فلم يسلم عليه احد، غير انه لم يلبث أن تعود السفر واصبح جلدا صبوا لا يضنيه البعد ولا يوجعه الفراق.

كان أمينا صادقا اذا نسي اسم رجل او مكان لا يخترع له اسما، بل يقول في رحلته لك ببساطة "ونسيت اسمه"، وذلك وصفه دوزي بالرحالة الامين (انظر الروائع الخاص بابن بطوطة)، ولعل المستشرق فران Ferrand بالغ حين أتهمه بأنه لم يزر البلاد الصينية لأخطائه وأوهامه والغالب أن ابن بطوطة لم يهتم كثيرا بمشاهداته وارتساماته عن الصين حتى وقع في عدة أخطاء، واما شك ابن خلدون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٧٥