عربية صميمة وهو تيار جماعة أبولو، والثاني نشأ في عالم ما وراء البحر بعيدا عن موطن العروبة، ولكل من المدرستين قرأ الشابي وأطال القراءة في ذكاء وشغف واستيعاب، ومع كل منهما تجاوب فأخلص التجاوب في صدق ولهفة وأناة، وعلى دربهما صار يتأثر خطى كانت توجهه في طريقه المظلم الشائك، ولم يكن تأثره تقليدا يمحو شخصيته ووجوده وإنما كان تجاوبا توجيهيا يستنير بنبراسه في حياته المضطربة القلقة لم يلبث أن سما عليه وانطلق في أجواء بعيدة حرة ليتناول قيثارته في أعلى القمة، ويعزف للطبيعة والإنسان، وينشد من أعماق قلبه في لحن مثالي صادق أغنية الحياة في كل زمان ومكان.
وهكذا الشابي وهكذا تأثره، لم يكن شعره صورة لغيره وإنما كان صورة لنفسه في إطار أمته وعامة الإنسانية، ولم يكن أسلوبه لتحدده اتجاهات المدرستين وإنما كان أسلوبا تحدده طاقة شعرية خلاقة يمتاز بكثير من الرشاقة والأناقة والجمال والإشراق، وإذا ما لوحظ على الشابي أن أفكاره ضحلة غير ناضجة، وأخيلته فجة غير مكتملة، وأن نظرته للحياة مضطربة غير قارة، وأن فلسفته عامة لم تتضح خيوطها لتعبر عن نفسها في جلاء ووضوح، فما ذاك إلا لأنه مات في أول الشباب، لم تمر على مدة إنتاجه غير ست سنوات (17) لا شك أنها غير كفيلة بتكوينه تكوينا ناضجا متكاملا سواء في ميدان الفن أو الحياة.
وبالرغم من هذا فإننا لا نغلو إذا قلنا إن الشابي يكاد يكون مدرسة وحده في الشعر العربي، أساسها أدب إنساني جديد يصل إلى أعماق الحياة، ويشعر بآلامها، ويدعو إلى الكفاح ومحاربة الطغيان، ويهفو إلى المعاني المشرقة المتوهجة، نحس في نغمته روحانية صوفية وشفافية قدسية، وعاطفة نورانية، وحرية مترفعة.
باريس: عباس عبدالله الجراري
(17) ولد الشابي سنة 1909 وتوفي سنة 1934