ولكنها لا تفقد أبدا صدقها ومغزاها، وجماعة أبي شادي في اتباعها هذا اللون من التعبير إنما كانت تتأثر جماعة الديوان قبلها، وخاصة رائدها شكري الذي كانت تطغى عليه النزعة الرمزية في شعره، كما كانت تتأثر بجبران خليل جبران، ورب معترض يرى أن الشابي قد يكون تأثر مباشرة في هذا الجانب بشاعر المهجر، ربما كان هذا صحيحا ولكننا نرجح أن يكون قد تجاوب مع أصدقائه المصريين الذين كانت قد تفشت في شعرهم نزعة الرمز أكثر مما تفشت في شعراء المهجر، وإن كان جبران رافع لوائها.
وإذا كان الضيق الذي مله شعراء جماعة أبولو نتيجة جو السياسة الحالك وما كانوا يقاسونه من آلام نفسية وجههم نحو استخذام الرمز في التعبير عن حالهم، فيقول رائدهم واصفا حالا من أحواله النفسية ومصورا إحساسه بقوة الحياة وضياع آماله وأحلامه:
هتفت بي الأضواء فاستيقضت من *** نومي على قلق من الأضواء
ونظرت في أفق السماء فلم أجد *** إلا حديث الموج والدأماء
السحب تجري في اصطخاب الموج لا *** ترضى بهدأة لحظة لندائي
ناديتها فتلفتت لكنه *** كتلفت الأطياف للشعراء
لاتستقر هنيهة وتسير في *** لهف كثوب الموج فوق الماء
وكأنما الزمن العجيب يسوقها *** كالخيل في ركض وطول عناء
تخشى سياط الدهر يجري خلفها *** فالدهر قاس دائما ومرائي
وتغيب في بحر السماء كما مضى *** حلمي وأنفاسي وروحي ورجائي (13).
فكذلك كان الشابي يحس مللا من جراء ظروف بلاده المستعمرة ومن جراء الألم الذي ظل يصارعه في شقاء ومرارة إلى أن عصف به في كهوف الموت، ولنستمع إليه يقول:
يا صميم الحياة إني وحيد *** مدلج تائه فأين شروقك
يا صميم الحياة إني فؤاد *** ضائع ظامئ فأين رحيقك
يا صميم الحياة قد وجم الناي *** وغام الفضاء فأين بروقك
يا صميم الحياة أين أغانيك *** فتحت النجوم يصغى مشوقك
كنت في فجرك الموشح بالأحلام *** عطرا يرف فوق ورودك
ثم جاء الدجى فأمسيت أوراقا *** بدادا من ذابلات الورود
كنت في فجرك المغلف بالسحر *** فضاء من النشيد الهادي
وانقضى الفجر فانحدرت من *** الأفق ترابا إلى صميم الوادي (14)
ولقد عاب الدكتور فروخ (15) على الشابي إكثاره من الرمز لدرجة (الغموض الذي يصبح عبئا على الأدب)، خاصة وأنه على حد قوله (يأتي بأشياء لا يعرفها)، ويرد على هذا الاعتراض بأن غموض الشاعر ليس ناشئا عن جهل أو (عجز عن الإدراك أو عن التعبير، بل غموض ناشئ عن غنى الاحتمالات التي ترقد خلف الرموز وتفلت من قبضة العقل الذي يسعى إلى الوضوح الجامع المانع) (16).
أما بعد فقد تبين لنا من بين خطوط هذا البحث، أن الشابي تأثر بتيارين أدبيين، أحدهما ظهر في بيئة
(13) قصيدة بحر السماء. الأشواق التائهة، ص 112.
(14) في كتابه (الشابي) ص 125.
(15) هكذا يقول الدكتور فروخ.
(16) محاضرات في الأدب ومذهبه للدكتور مندور، ص 80.