تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يختم كلامه بقوله (وكان الشابي كما كان ناجي رحمة الله عليهما معجبا بكلتا القصصيدتين وكلاهما نسج على منوالهما).

ولعلنا نخالف أبا شادي فيما ذهب إليه من أن التشابه بين الشابي وشعراء المهجر هو من باب المصادفة ليس غير، وقد بينا في الصفحات السالفة وجود هذا التشابه الذي هو أعمق من أن يكون كذلك.

أما تجاوب الشابي مع جماعة أبولو فنحن نوافق الدكتور عليه، بل نزيد فنرى أن تجاوبه لم يكن ليقتصر على هذه الأمثلة التي أوردها، بل هو أوسع من ذلك وأعمق، ولن يكشف عن حقيقته في رأينا غير الرسائل العديدة التي كان يتبادلها مع الشابي، فهو السجل الصادق للعلاقات المتينة التي كانت تربطهما، ولوجهات النظر التي كانا يتبادلانها في مضمار الفن والحياة.

ولعل من أهم مظاهر هذا التجاوب ما يتجلى في النزعة الذاتية التي تهفو إلى الحرية المطلقة وتنفر من روح التمذهب، وتدعو إلى المضمون الحر، وجعل الفرد مركز الكون، كل شيء نسبي بالقياس اليه، وربما كانت ظروف الحياة عامة، والسياسة خاصة، سواء في تونس أو مصر، أكبر مشجع على هذه الدعوة، لاسيما وأن العقلية الاجتماعية العامة لم تكن قد تربت فكرتها بعد، وهي وحدها التي يمكن أن تقيد مثل هذه الحرية، وتكون روحا جماعيا لا ينظر إلى الفرد بقدر ما ينظر إلى الجماعة، بل قد يختفي الفرد فيها يذوب، يقول الشابي في مقدمته ليدوان (الينبوع) (10)، بعدأن استقرى فنون الشعر ومجالاته ومذاهبه: (والحق أننا نخطئ كثيرا إذا حاولنا أن نفرض على الشاعر آراءنا وأحلامنا ومذاهبنا فرضا، ولن نجني من وراء ذلك إلا تضليل المواهب الجديدة الناشئة وسخرية المواهب الكبرى السائرة إلى النور، وليس لنا أن نطالب الشاعر في شعره بغير الحياة، وإذا جاز لنا أن نطالبه بأكثر من هذا فلنطالبه بأن تكون هذه الحياة رفيعة سامية تتكافأ مع ما للشعر من قدسية الفن وجلاله. ففي الحياة كثير من الحماقات والدنايا يتعالى الفن عن التدلي إليها من سمائه العالية، إن روح الشاعر روح حرة لا تطمئن إلى الفن ولا تسكن اليه، حرة كالطائر في السماء والموجة في البحر والنشيد الهائم في آفاق الفضاء، حرة فسيحة لا نهائية لا تحدها نزعة واحدة ولا مذهب محدود، وإن كانت لا تضيق بكل هاتيك النزعات مجالات نفس الشاعر ولا تتقيد بصورة أو مثال) (11).

وعلى نفس هذه النغمة كان أبو شادي يحرك أوتاره ليرى (أن الحرية هي صديقة الآداب والفنون، بل والمعارف عامة. فالإملاء على الشعراء والتحكم فيهم هو أولا قتل لمواهبهم ثم قتل للشعر وممكناته ثم إفقار لللغة وآدابها .. لنا أن نحتفي بكل لون من ألوان التفكير والتعبير البشري، وعلينا أن نناهض الدكتاتورية الأدبية والفنية لأنها في النهاية بمثابة سم للأدب والفن ... إننا ندافع عن حرية الشعر المطلقة موضوعا وتعبيرا، ندافع عن هذا الفن الرفيع الذي متى بلغ الذروة بإنسانيته وبقيادته الحرة الجريئة الحرة كان الرائد لحركات الإصلاح والتطهير والتسامي) (12).

وعلى الرغم من هذا فقد كانت النزعة الرومانتيكية تغلب على روح هذه الجماعة، فتعمد إلى تصوير الوجدان والعاطفة ورسم تجارب النفس والذات في إطار من الحزن والتشاؤم، وكما أسلفنا، فقد كان الشابي في هذه النزعة أكثر تأثرا بالمدرسة المهجرية.

ولكن جانبا آخر تجاوب فيه الشابي مع أبي شادي ورفاقه يظهر في لجوئهم إلى التعبير الرمزي، وكأن الاتجاه العاطفي لم يستنزف نفوسهم المليئة حزنا وكآبة، والأسلوب الرمزي يعمد في إفصاحه عن مشاعر النفس وأحاسيسها إلى الصور الغامضة الخيالية، وإلى موسيقى صوتية يوحيها انسجام الألفاظ وتراكيبها، والشاعر الرمزي لا يكتفي بتطبيق أسلوبه على الصور والتراكيب فحسب، وإنما يعالج بواسطته مشاكل الإنسانية عامة، يوضح فيها أفكارا ويجدد حقائق قد تبدو بعيدة عن واقع الحياة،

(10) لا بي شادي.

(11) نقلا عن كتاب "الشعر المصري "بعد شوقي" للدكتور محمد مندور، ص 41.

(12) "قضايا الشعر المعاصر" ص9/ 10.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٧١