ان ارتقاء الانسان إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده، هو خطوة أجل من أن تتم عن طريق التطور المادي، من دون قصد انشائي وتدبير حكيم، وإذا قبل تحقيق القصد، فان الانسان قد يكون جهازا، ولكن من يدير هذا الجهاز؟ لأنه بدون أن يدار لا فائدة فيه، والعلم لا يعلل من يتولى ادارته، كما أن العلم لا يقول انه مادي.
إننا قد بلغنا من التقدم إلى درجة تجعلنا نرى أن الله وهب الانسان قبسا من علمه، ومن ذلك القبس وفي معناه يمكننا أن نفهم أن الله خلق الانسان على صورته، ولا يزال الانسان من الوجهة الخلقية في طفولته، وقد بدا يشعر بهذا الشيء الذي يسميه روحا، وهو يرقى في تدريج وبطء ليتحقق هذه الهبة، ويشعر بغريزته انها خالدة، واذا كان هذا الفهم صحيحا، ويظهر لنا أن البرهان المنطقي الذي يثبته لا يمكن دحضه، فان هذه الكرة الأرضية الصغيرة التي هي لنا، وربما كان لنا غيرها أيضا، تكتسب عظمة لم يحلم لها أحد من قبل. وعلى قدر ما نعلمه، نرى ان عالمنا الصغير قد تولد منه أول جهاز مادي إضيف إليه قبس من نور الله، وهذا يرفع الإنسان من دركة الغريزة الحيوانية إلى درجة القدرة على التفكير، الذي يمكنه من ادراك عظمة هذا الكون في اشتباكاته، ويشعر شعورا لا يخلوا من غموض بعظمة الخالق الأعلى ظاهرة في أفعاله.
تعليقات وايضاح
1) قوله: وان المحيط لو كان اعمق .. الخ: هذا برهان من جنس ما تقدم، على أن هذا العالم صادر عن قصد ومنهاج وتدبير في غاية الدقة والأحكام، وهذا هو الذي عبر عنه الكتاب والسنة بكتابة الله تعالى للأشياء في الأزل واشير اليه بقول النبي (ص): جفت الأقلام وطويت الصحف، وبقوله تعالى: "ان كل شيء خلقناه بقدر" وبقوله تعالى: "وكان أمر الله قدرا مقدورا". والجاهلون يظنون أن العالم وجد بطريق المصادفة بلا علم سابق ولا تدبير ولا منهاج، وهذه الحقائق تكذبهم وتبطل زعمهم، وهي مبنية على طرق حسابية دقيقة لا محل فيها للمصادفة، فمن يزعم أن هذه المخلوقات المحكمة الصنع من الشعري الى أدنى ذرة قد وجدت بالمصادفة يكون أجهل ممن يعتقد أن شخصا أعمى يقود طائرة فيها ركاب ويسير في الطريق المرسوم له ونزل في المطارات المعينة له ويودع ركابا ويستقبل آخرين ثم يستأنف سفره إلى أن يبلغ غايته، وقوله: لما وجدنا أوكسجينا ولا نباتا: يستلزم انعدام الحياة كلها، ومثل هذا يقال فيما بعده من الحقائق، فهل يستطيع ذلك ابدا، فليرجعوا الى الإسلام فقد ظهرت معجزاته في الآفاق، وأشرقت أنواره ايما إشراق، فان لم يرجعوا فأبعدهم الله:
اذا ذهب الحمار بأم عمرو
فلا رجعت ولا رجع الحمار
2) قوله: يكون نصيبه من الامكان واحدا من مليون: يعني ان احتمال وقوعه يساوي واحدا من مليون، فتسعمائة ألف وتسعة وتسعون ألفا وتسعمائة وتسعة وتسعون كلها في جانب عدم الإمكان، وواحد فقط في جانب توهم الإمكان، ولا عاقل يرجح واحدا على ذلك العدد العظيم، وقد تكرر هذا المعنى في هذه المقالات وضربت فيه الأمثال فاقرأها بإمعان وتفكير من أولها تجد الثلج واليقين الذي لا يتطرق إليه الشك بان الله خالق كل شيء ومدبره.
3) قوله: حتى انتهت في نتيجتها الى منح الحياة للحيوان وتطوره الى إنسان: يشير بذلك الى مذهب النشوء والارتقاء، ونحن لا نقول به، وانما نقول بما جاء في كتاب الله، وهو أن الله خلق الانسان ابتداء في أحسن صورة وكرمه بالعقل الذي جعله سيدا حاكما مطاعا يتصرف في غيره من المخلوقات كالحيوان والنبات والمعادن وسائر المواد الكونية، ولم يتطور عن الحيوان الأعجم، فان الحيوان لا يصير إنسانا، ولكن الانسان قد يصير حيوانا عندما يتبع هواه ويترك عقله (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)، لا تزال غامضة من الوجهة العلمية ولا تتجاوز الفرض والحدس والتخمين.