تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5 - ع8 - 9 ماي-يونيه 1962 .................... ص26

دواء الشاكين وقامع المشككين

للدكتور تقي الدين الهلالي

-21 -

ان نظرة فيما تقدم مصحوبة بالإمعان توضح للقارئ وتؤكد له ملائمة الطبيعة للانسان، على أن انعدام تلك الملاءمة يجعل الحياة مستحيلة، وكذلك المسائل الأخرى التي انجز البحث اليها تؤكذ تلك الحقائق البارزة في الطبيعة وتدل على أن منهاجا محكما قد وضع لتقدم الإنسان، ويرى ادلة قوية تدل على هذا التدبير المقصود وراء كل شيء، أن الحقيقة المدهشة الماثلة للعيان، وهي أن الإنسان قد عاش على رغم التقلبات التي مر بها في ملايين سني تطوره تتحدث عن نفسها، لقد علمنا يقينا أن العالم موضوع في مكانه المناسب له، وأن قشرة الأرض قد رتبت إلى غاية عشر أقدام، وأن المحيط لو كان أعمق مما هو عليه لما وجدنا أكسجينا ولا نباتا، ووجدنا أن الأرض تدور مرة في كل أربع وعشرين ساعة، وأن هذا الدوران لو تأخر لما أمكن وجود الحياة. ولو زادت سرعة دوران الأرض حول الشمس اونقصت لتغير تاريخ الحياة، هذا اذا وجدت حياة بالمرة، ووجدنا أن الشمس هي الوحيدة من بين آلاف الشموس، التي جعلت حياتنا على الأرض ممكنة، ووجدنا أن حجمها وكثافتها ودرجة حرارتها وطبيعة أشعتها يجب أن تكون كلها مناسبة، وقد كانت، ووجدنا أن الغازات التي في الهواء قد رتب بعضها على بعض، وان أي تغير في ترتيبها، ولو كان طفيفا، يكون فيه الهلاك المحتم، هذا قليل من كثير من العوامل الطبيعية قد نبهنا القارئ إليه.

وإذا نظرنا الى حجم الأرض، ومكانها في الفضاء وأحكام نظامها، يظهر لنا أن اعتبار ذلك النظام واقعا على سبيل المصادفة يكون نصيبه من الامكان واحدا من مليون، ونصيب جميع الأنظمة العالمية في امكان الوقوع على سبيل المصادفة أفل من نسبة واحد إلى بلايين، فوجود هذه النتيجة الحتمية، وهي أن موافقة الطبيعة للانسان هي أعجب بكثير من موافقة الإنسان للطبيعة، أن نظرة دقيقة في عجائب الطبيعة تقيم البرهان على أن هذه العجائب وهذا النظام البديع، كل ذلك ناشئ عن قصد وتقدير حكيم وتدبير عظيم، وبذلك نعلم أن منهاجا دقيقا ينفذ بتفاصيله بأمر الخالق الأعلى، وقد يستطيع الإنسان أن يرى في هذا المنهاج سلسلة من الحوادث في تطور الكائنات الحية حتى انتهت في نتيجتها إلى منح الحياة للحيوان، وتطوره إلى الإنسان، ولم يزل الإنسان في جميع الأزمنة يسير وزمام سيره في يد العناية الربانية بارشادها وهدياتها نحيط بالإنسان في جميع أطواره، وقد تطور المنهاج إلى مباءة قادرة أن تحافظ على مخلوق جسمي يشتمل على عقل واع.

ولما كانت عقولنا محدودة، لم يكن في امكاننا أن ندرك ما هوغير محدود، ولذلك لا نقدر الا أن نؤمن بوجود الخالق المحيط بكل شيء، الذي خلق كل شيء وشمل ابداعه الذرات والكواكب والشموس والسدم (جميع سديم) والزمان والمكان هما عنصران في هذا الادراك. أن محاولة إدراك حقيقة كنه الباري جل جلاله لتحير أذكى الأذكياء، وكذلك لا يمكننا أن نعتقد أن الانسان هو الغرض الوحيد أو النهائي، ولكن يمكننا أن نرى أن الإنسان أعجب مظهر لهذا الغرض، على اننا لسنا مضطرين أن نفهم ذلك كله حتى نتقدم كثيرا، وزيادة المعرفة تشير إلى تلك النهاية، اننا نقرب من إدراك عالم المجهول الشاسع، حين نتحقق ان المادة كلها صارت من الوجهة العلمية مظهرا لوحدة عالمية، هي في حقيقتها كهربائية، لكننا نعلم يقينا أن المصادفة لا علاقة لها البتة بإيجاد العالم، لأن هذا العالم العظيم واقع تحت حكم قانون دقيق.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٦٤