تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

?لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ?، ضابط ذلك هو انتفاء الإضرار بالغير، فغير مسكونة هي التي لم تتخذ للسكن والاستقرار والاستراحة من الأتعاب، وإنما اتخدت للتجارة كالفنادق والمتاجر والمطاعم، فهذه ونحوها ليس فيها خوف على الاطلاع على عورات الناس ولا إحراجهم، بل في دخولها تنشيط المكاسب وسبب تنمية الأرزاق. وفي مفهوم "فيها متاع لكم" إرشاد إلى أنه ينبغي للمرء أن لا يدخل إلا إلى الأماكن التي له فيها فائدة يقرها الشرع والطبع السليم، وهذا ما يعنيه الحديث المشهور «من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه»، فولوج أماكن اللهو واللعب ومواطن الريب ليس فيه متاع معتبر شرعا، ولهذا وقع التهديد عليه بقوله تبارك اسمه: ?وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ?.

أيها القاريء الكريم، هذه الآيات نموذج لتنظيم الإسلام للعلاقات الاجتماعية وآداب التزاور التي اختارها للمؤمنين، فهل ترى فيها سوى ما يبهر عقول ذوي الذوق السليم؟ وقد تتعجب وتتندر بما ادعت مدينة القرن العشرين أنه من بنات أفكارها من هذا القبيل، ولكن هل حاولت أن تعلم أن هذا بجملته وتفاصيله قد نادى به صوت محمد النبي الأمي من الجزيرة العربية منذ أربعة عشر من مئات السنين، ثم حاولت أيها القاريء الكريم أن تتفهم أن محمدا الأمي ليس من الفلاسفة، وإنما هو أمي تربى في وسط شعب أمي ركز جل اهتمامه في معالجة مشاكل توالي جذب السنين وطبيعة الصحراء القاسية.

ثم هذا النبي الأمي جاء بشريعة مدعيا أنه لا ملجأ ولا منجأ من نكد العيش للبشرية حيثما كانت وفي أي زمن وجدت إلا بسلوك سبيلها وامتثال أوامرها واجتناب نواهيها، فكانت المئات من السنين تقوم بمهمة التصديق لكل ما ادعاه ذلك النبي صلوات الله عليه، إنها شريعة أنزلها الذي يعلم السر في السموات والأرض ليس لمحمد الأمي إلا تبليغها للناس بكل أمانة كما أنزلت.

قد يتساءل جاهل: إذا جاءت شريعة الإسلام بهذا النظام المحكم العجيب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فما بال كثير من الشعوب الإسلامية في سوء نظام وتخلف مزريين؟ والجواب سهل، وهو أن الإسلام شيء والمسلمون شيء آخر، ?إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ? [الرعد: 11].

المعهد الإسلامي بتارودانت

أحمد الزيتوني

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٦٣