وقد كتبوا المقالات الطوال وصنفوا وحرروا في الكشف عن إسرار الشريعة واستجلاء غوامضها، ولكنهم لم يصلوا إلى تأويل واحد، فهم تفرقوا شيعا كل فرقة تدعي لنفسها الوصول الى الحقيقة والكشف عن مقصد الشرع، فكان ذلك سبب حروب ونكبات للإسلام.
ليس هؤلاء في نظر ابن رشد إذن من يحق لهم النظر في الشريعة عقليا ولا هم يستطيعون معرفة التأويل الصحيح، ان عقلهم متمرن ولا شك ومعتاد على أساليب المناقشة والنظر في البراهين، ولكنه عقل قصير، يشعر بالتعارض، وبهذا يمتاز عن العامة، ولكنه لا يستطيع له حلا، هو بالتالي لا يستطع الوصول إلى التأويل الحقيقي، وهو يظل يتخبط بدون نتيجة. وان وصل فإلى نتائج مضطربة مختلفة، ولذلك نشأت فرق علم الكلام المختلفة التي هزت الاسلام هزا وسببت البلاوي والشرور وفرقت كلمة المسلمين واشاعت الحروب وأقامت عروشا ودكت عروشا. وهذا العقل الجدلي، حتى لو عرض عليه التأويل الصحيح فهو لا يستطيع له فهما، لأنه لا يستطيع أن يتابع هذا الحل في دقائقه كما تقدم.
يبقى أصحاب العقل البرهاني، وهم في الحقيقة من خصم الله بشرف القيام بهذه المهمة الثقيلة والعظيمة، مهمة التأويل الصحيح والنظر في الشرع من الناحية العقلية، والتأويل الصحيح هو الأمانة التي عرضت "على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان. "أصحاب العقل البرهاني أو الفلاسفة أو المجتهدون في الشرع من ناحية العقائد هم المعنيون بقوله تعالى "الراسخون في العلم" في الآية "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه الآية".
فإذن الفلاسفة والمجتهدون المطلعون على الشريعة اطلاعا تاما، هم من يحق لهم النظر عقليا في الشريعة، وتأويل ما يصح تأويله منها.
والى هنا تنحل جميع العقد النظرية التي كان يمكن ان تقوم حائلا بين انسجام الدين والفلسفة وفي هذا كله نرى ابن رشد فيلسوفا ومتعمقا في أحكام الدين، يبني مذهبا غاية في الروعة والانسجام، فهو يتسم بالبساطة كما يتصف بالمتانة والقوة.
الرباط: عبداللطيف ملين.