تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5 - ع8 - 9 ماي-يونيه 1962 .................... ص18

الإسلام من جديد

للأستاذ: عبدالسلام الهراس

أحيانا يسيطر على الإنسان بعض الأفكار، لغرابتها ونكران معظم الناس إياها قد تبدو له هو نفسه بأنها شاذة، خيالية إن أمكن لها أن تراود عقله فلا يتسنى لها أن تجد مكانها من الواقع الذي يلفظها عنه لفظا لأن التيار - كما يقولون - ليس في صالحها.

ولكن ليس كل ما هو خيالي محكوما عليه بأن يظل كذلك، بل إن كثيرا من خيالات الإنسان قد تحولت الى وقائع وحقائق ملموسة، فصفة "الخيالية" إذن لا تعني في كل حالاتها الاستحالة، فقد يكون مسوغ تلك الصفة ضعفا في التفكير، وقصورا في النضج، ومسخا في الضمير .. لقد كان أجدادنا يعيشون في الخيال عند ما اعتقدوا أن فلانا يطير وأن هناك أناسا يقطعون مسافات شاسعة بخطوات أو خطوتين، وأن فلانا يتكلم في المشرق فيسمعه الآخر بالمغرب، وكان من قبيل الخيال الحديث عن استيلاء العرب على الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، قبل الإسلام .. ولكن لو بعث القدماء أحياء لرأوا واقعا قد يكون أروع من تلك الخيالات وأسمى ..

وما لي لا أقول إن كثيرا من تلك الخيالات - إن لم أقل كلها - إنما هي وليدة حقائق سابقة اندثرت وتركت في أعماق الإنسان وعقله الباطن آثارها، فأصبح هذا الإنسان يصبو إليها دائما، ويتصورها في فترات من حياته ويسعى لتحقيقها، وسرعان ما تحقق له بعض تلك الخيالات فيظن أنه حقق ما لم يكن موجودا قبل الخيال، وهكذا يعيش الإنسان بين الحقائق وخيالاتها والسعي إلى تحقيق تلك الحقائق عن طريق تلك الخيالات .. وقد قيل: لولا الخيال لما كان العلم.

ولكن الخيال الذي يمكن له أن يتحقق هو ذاك الذي يستمد قوته وخلوده وفعاليته من الأمل، فالأمل في تحقيق الأفكار المطاردة من دنيا الناس هو الضمانة الكبرى لذلك التحقيق، ولا ينبت الأمل إلا في تربية من الإيمان خصبة، وكلما امتد الإيمان واخترق الحجب نحو نور السموات والأرض أصبح أقوى صلابة، وأقدر على مواجهة الشدائد والخروج منها منتصرا .. لأنه يستمد من الخلود خلوده، ومن الحق أسراره، ومن كلمة الله سموها وعلوها.

وقد كان بدء الإسلام غريبا لأنه حقق أملا كان غريبا في دنيا الجاهلية من جهة، وفي دنيا الحضارة المتعفنة من جهة أخرى .. وسيعود ليحقق ذلك الأمل الغريب في دنيا تعفنت حضارتها وأسنت حياتها.

وهذه هي الفكرة التي تسيطر علي وعلى "ثلة" مبثوثة هنا وهناك وإن كان الإيمان بها قويا في أعماق الشعوب الإسلامية التي لم تعد "النخبة " تأبه لإيمانها، ومما يتيح لها السيطرة أكثر ما نراه الآن من فشل في التجربة الحضارية الجديدة ..

فالعالم أصبح يعيش في خطر جسيم، وإن فرص الخطر لتتزايد كل يوم، وإن فلسفة الحياة المسيطرة على القوى العظيمة الحاكمة لترشح منها عصارة الموت والفناء، إنها لتدفع الكون كله الى الدمار والخراب، إنها تطلب مزيدا من القوة، من التقدم، من الازدهار، من الرفاهية، من التصنيع، من العلم والتقنية، ولكن من أجل ماذا؟ هل من أجل السلام؟ هل من أجل كرامة الإنسان؟ لا أبدا، بل إن كل ذلك ليتضافر من أجل نتيجة واحدة هي فناء العالم ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٥٦