الشرع وجاء الفقيه فاستنبطها بالقياس الفقهي - وهنا نلاحظ أن ابن رشد لا يني يضرب الأمثلة بالفقه كلما دعته الضرورة - واما إن كان مما عرف به في الشرع فلا يخلو الامر من أحد شيئين: اما أن يكون النظر العقلي أو البرهاني يوافق ذلك المعرف به أو يخالفه. فان كان موافقا له، فلا مجال للمناقشة، وإن كان مخالفا "طلب هنالك تأويله" ان كان مما يصح فيه التأويل.
وهنا نصل الى نقطة هامة جدا، وهي مسألة التأويل، فالتأويل اذن يقع في الأحكام النظرية الشرعية التي تخالف ما يوصل اليه النظر العقلي. ولكن ما هو هذا التأويل ومن هم الذين سيضطلعون به؟
اما التأويل فهو "اخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية الى الدلالة المجازية من غير ان يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبهة أو سببه أو لا حقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عودت في تعريف أصناف الكلام المجازي"، ص8. فإذن، التأويل هو تأويل مجازي بلآيات والأحاديث التي تبدو متعارضة مع العقل. "ونحن نقطع قطعا ان كل ما ادى اليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع، انذلك الظاهر يقبل التأويل، على قانون التأويل العربي". ص8.
وقضية التأويل هذه ليست وليدة زمان ابن رشد- "فالمسلمون اجمعوا منذ الصدر الأول من الاسلام على أنه ليس يجب أن تحمل الفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل ص8.
وهذا يقود الى حقيقة لا تقبل الجدال، وهي أن الشرع يحوي ظاهرا وباطنا.
هذه الفكرة، نجدها في الحقيقة عند جميع الفلاسفة العرب، وحتى قبل أن تدخل الفلسفة الى العالم الإسلامي، وقد لعبت دورا كبيرا سواء عند الفلاسفة أم عند المتكلمين والمتصوفين.
فسبب التأويل هو ورود الشرع بالباطن والظاهر، معنى ذلك آيات وأحاديث ترد بلباسها الحقيقي أي تعبر عن الحقيقي الثابتة المطلقة، أو بعبارة اخرى الحقيقة الفلسفية، ولا تحتاج بذلك إلى تأويل، وأخرى تأتي مكتسية لباسا - شفافا أو كثيفا- من الرمزية، يحجب ما تخفيه من حقيقة ثابتة، وهذه الآيات والأحاديث التي على هذا الشكل، هي التي يأتي المؤول فينزع عنها ذلك الرداء الخفيف أو الثقيل، ويبرز الحقيقية الناصعة التي تخفيها.
ولكن ما سبب ورود الشرع فيه الباطن والظاهر أي ما سبب ورود الشرع بمظهرين للحقيقة الواحدة، حقيقة ناصعة، وأخرى مغلفة بغلاف رمزي.
السبب في ذلك هو ذلك الاختلاف الثلاثي الذي تجده بين الناس والذي اشرنا اليه فيما سبق.
هنالك ثلاثة أصناف من الناس كل صنف منهم يتصور ويصدق عن طريق خاصة، فهنالك طريقان للتصور: أما لاشيء بنفسه، وأما مثاله أي ما يرمز اليه، فكان لزاما أن يمثل الشرع بعض الحقائق التي لا تصل اليها عقول الجدليين والخطابيين، وهم أكثر الناس، في صورة قريبة من صورتها الأصلية، اذ ليس في امكانهم تصورها كما هي في حقيقتها، ونتيجة هذا، احتوى الشرع على آيات وأحاديث متعارضة- كما في القضاء والقدر مثلا- وقد أراد الله بهذا التعارض- يقول ابن رشد- ان ينبه الراسخين في العلم إلى التأويل الجامع بينهما.
هكذا يحل ابن رشد مشكلة التأويل والظاهر والباطن في الشريعة والتعارض فيها، هذا الحل الجذري والطريف بأحكامه وتماسكه، والذي يكشف عن أصالة حقيقية.
ومن هنا نرى من هم الناس الذين يحق لهم التأويل، فليس هم الخطابيون، اذ لا شك أن هؤلاء أبعد الناس عن معرفة الدلائل العقلية والبراهين في تعقيداتها ودقائقها، وهذا الأمر ضروري لمعرفة الحقيقة المطلقة وبالتالي للقيام بالتأويل الصحيح، بل من أجل هؤلاء -على وجه الخصوص- ورد الشرع بالباطن والظاهر، ووردت آيات وأحاديث كثيرة وهي مغلفة بغلاف الرمز والتمثيل، هؤلاء الخطابيون يصدقون بالآيات التي تعبر عن حقيقة مطلقة، وبالآيات التي تكتسي رموزا تخييلية من دون أن يلاحظوا أي تعارض بينهما.
هل هم الجدليون اذن، أي علماء الكلام عند ابن رشد؟ ان هؤلاء يدعون انهم احق الناس بالتاويل،