عادة الفلاسفة العرب اذا أرادوا أن يبينوا ضعف دليل أو خطأ نظرية أن يذكروا بأن هذا الدليل أو النظرية لاتبلغ مرتبة البرهان، أو يقولون أن هذا القول هو قول "جدلي أوخطابي فقط
على هذاالتصنيف الثلاثى للحجج، أقام ابن ابن رشد، ومن قبله الفلاسفة العرب "ويجب أن نتذكر أن نظرية ابن رشد في التوفيق هي في خطوطها العامة مشتركة بين الفلاسفة العرب"، أقام تصنيفا ثلاثيا للعقول، فهناك عقل برهاني كما أن هناك حجة جدلية وعقل خطاب، كما أن هناك حجة برهانية، وهناك عقل جدلي وعقل خطابي، كما أن هناك حجة جدلية وحجة خطابية.
بهذا التمييز الثلاثي الجديد، سيرينا ابن رشد من هم الاناس الذين يحق لهم اى الاشتغال بالفلسفة والقيام بالتأويل الجامع بين الدين والعقل أو الدين والفلسفة، وكذلك سيبين لنا حدود الدين وحدود العقل، أي الفارق بين مستوى الحقيقة الدينية ومستوى الحقيقة الفلسفية أي الحقيقة أي الحقيقة المطلقة الثابثة، وكذلك سيبين لنا من هم الناس الذين ينتمون الى كل صنف من هذه الاصناف الثلاثة.
فالعقل البرهاني، هو عقل الفيلسوف الذي يتمتع بذكاء الفطرة أي الفطرة الفائقة" أي بمواهب عقلية، تفتحت وتكاملت بالتربية والتمرين، فهو وحده القادر -من بين أصناف الناس -على متابعة البراهين التي تؤدي الى الحقيقة المطلقة، في تعقيدها ولفها اللذين يكونان صميم الفلسفة
وفي المرتبة الدنيا من هذه السلسلة أوالهرم، هناك الجمهور الغالب الذي يكون وحده أغلب الجنس البشري وهذاالجمهور قوته العقلية قوة خطابية، أي يقنعه الدليل الخطابي.
وفيما بين هاتين المرتبتين، يقوم العقل الجدلي، الذي يتمثل في رجال الكلام، أي أصحاب المذاهب الكلامية
وسنرى كيف يرد ابن رشد كل صنف من هذه العقول الى أصحابه ويلصقه به، وكيف يوسع ذلك على الشريعة فيما تستلزمه من تأويل يضطلع به احق الناس به ومن كل اليه هذا الامر في الحقيقة من جانب العناية الاهية.
النقطة الحساسة عند ابن رشد في هذه المناقشات، والتي نسمع فيها صدى الصراع الطويل بين الفلسفة وعلم الكلام، هي أحق الناس بالنظر فيما جاء به الشرع من أحكام -نظرية - وتمييز ما يحتاج منها الشرع من تأويل مما لايحتاج؟
ذلك أن هناك حقيقة لاتقبل الشك، وهي أن الشرع قد دعا الناس جميعا الى التصديق به، دعاهم الى العلم ومعرفة الحقائق الاساسية كوجود الله وخلود الروح والسعادة والشقاء الاخرويين، والى العمل الحق -بناء على دلك العلم -أي الاقبال على الاعمال التي تؤدي الى السعادة وتجنب الافعال التي تورث الشقاء.
ولكن الناس متمايزون كما رأينا -سواء في التصور أم في التصديق، ذلك لان فطرهم متباينة، فمنهم من لايصدق الا بالاقاويل البرهانية -وهؤلاء هم الفلاسفة، ومنهم من يقتنع بالقول الجدلي، ومنهم من يكفيه القول الخطابي وهؤلاء هم الجمهور الغالب كما قدمنا.
ومن جهة اخرى، لما كنا نحن معشر المسلمين
-نعلم علم اليقين ان شريعتنا هده حق وداعية الى الحق، فلذلك نحن نحكم قطعيا أن النظر البرهاني "أي البحث العقلي المستقل " لايؤدي الى مخالفة ما ورد به الشرع، فان الحق لايضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له "ص7
فالشريعة والحقيقة الفلسفية، أي الحقيقة المطلقة الثابتة، لا يمكن أن يتضادا.
فإذا ادى النظر العقلي الى معرفة موجود أو موجودات ما، أي الى تقرير حقيقة ما، فلا يخلو الأمر، أما أن تكون هذه الأحكام مما عرف به في الشرع، واما أن يكون مما سكت عنه، فان كانت الأخيرة، فلا خلاف هنالك، لأنها تكون عندئذ كالأحكام التي سكت عنها
(2) يبدأ ابن رشد رده على الغزالي في تهافت التهافت هكذا: "إن الغرض من هذا القول أن يبين مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت في التصديق والإقناع وقصور أكثرها عن رتبة اليقين والبرهان"