وجعلها ومن أول يوم من تكوين دويلته، جعلها لغة التعليم في جميع مراحله ثم لغة للإدارة في مرافقها ..
وماذا يفيد العربية لو ترجمت المجامع اللغوية جميع المصطلحات، وزودت الكتاب العربي بكل جديد مستحدث، ما فائدة ذلك إذا كنت اعتقد في قرارة النفس وأصرح بذلك كلما سنحت الظروف أن هذه العربية عاجزة ميتة سخيفة حقيرة؟ ما ذا يفيد عمل المجامع ونحن نعلم أبناءنا بغير العربية ونربأ بهم منان يتعلموا في مدارس الشعب ونتمنى بحراراة لو خلق الواحد منا فرنسا لحما ودما على أن يتمتع بمثل هذا المنصب -بالطبع-.
لا أيها الإخوة نحن في حاجة إلى شيء من الصراحة، وكثير من الصدق والإخلاص، وفي حاجة أكثر إلى الإيمان بأنفسنا، والإيمان بلغتنا، والإيمان بحضارتنا، وعندئذ ستبعث لغتنا من جديد فنراها بغير هذا المنظار، ونجد فيها ما لم نجده الآن، نجد فيها حياة زاخرة، وحلاوة فلنظيرها، وقوة لا تأخذ منها صروف الأيام شيئا، بل سنجد أنفسنا، ونكتشف حقيقتنا، فنعمل على الرقي والازدهار، فترقى بذلك لغتنا، وتزدهر ثقافتنا، فاللغات مرآة لشعوبها، وعلى قدر عزة الشعب وقوته وتقدمه ترقى لغته وتتقدم وتعتز، وعلى العكس، إذا انحط الشعب، وأصبح عدوا لمقوماته، فلا بد من أن تنحط لغته، أو ربما تموت نهائيا ولو كانت لغة علم وحضارة، فاللوم لا ينصب على لغة ما مهما كانت صعبة وإنما المسؤولية على أبناء اللغة ورجالها، فهم المسؤولون في كل الأحوال وفي جميع الاحتمالات ولدى كل الشعوب.
في القاهرة:
المؤتمر الجغرافي العربي الأول:
في عاصمة أرض الكنانة عقد هذا المؤتمر الأول وكانت غايته العمل على إبراز نظريات عامة وتخطيط شامل للتنمية الزراعية والصناعية واتصال كذلك ببيئتنا ووسطنا العربي، إذ المعلوم أن الجغرافية لم تعد مجرد دراسات للأرض وجبالها والسهول ووديانها والأقاليم وحدودها منفصلة عن الإنسان بل أن الجغرافية الآن مرتبطة بالإنسان وبيئته وأصبحت عاملا أساسيا في تحقيق التنمية وتخطيط المشروعات التي يتوقف عليها تقدم البلاد وازدهارها.
فالمواد الأولية ومصادر الطاقة ومنابع الثروة وطرق المواصلات ومشروعات التنمية وتزايد السكان ومشكلة توفير الغذاء كل ذلك وأكثر من ذلك من صميم الدراسات الجغرافية وقد أكد المؤتمر على ذلك وألح على أهمية الجغرافية كعامل أساسي في تطوير الوطن العربي ودفعه إلى الأمام وإخراجه من انقاد الماضي والتخلف المزري ليحقق ما يسعى إليه من تقدم صناعي، وثورة آلية، وإصلاح زراعي، وعدالة اجتماعية ورفاهية شاملة لأبناء الوطن العربي.
وما ينبغي لشعب كهذا الشعب الذي كان -وفي زمن غير بعيد- أستاذ العالم في الدراسات الجغرافية، وكانت كتبه واكتشافاته وخرائطه ثروة عظمى للإنسانية جميعا، وما ينبغي لشعب ينشد التقدم والرقي أن يغفل عن أهمية الجغرافية التي تعتبر بحق العامل المساعد لكل الدراسات الأخرى.
وقد اقر المؤتمر أيضا تدريس مادتي التاريخ والجغرافيا في كل البلاد العربية باللغة القومية وفي جميع المراحل، على الوطن الأصغر ثم وطن العروبة الأكبر بما في ذلك خصائصه المتعددة في بيئاته المختلفة وموارده ومصادر الثروة فيه.
والحق أن الجغرافيا والتاريخ تعتبر دراستهما أساسا مهما في بناء المواطن العربي من حيث تكوينه الوطني والعقائدي، ومن حيث الإعداد النفسي، والربط السليم للعقل في مراحله المختلفة بتراثه الحضاري، وتراثه الروحي، ولا يمكن ان تسند هذه الدراسات لأستاذ أجنبي لا ينظر إلينا إلا بمنظاره الذي اعتاده منذ نشأته الأولى والذي لا يرى من خلاله الا الجانب المظلم من تاريخنا، ولا يكتشف به الا السيئات وما أكثرهم عند الأمم الضعيفة القريبة العهد بالاستعمار الثقافي، فيؤلف ما يراه من السواد والسيئات تم يرميه لشبابنا الطاهر فيتلقف ذلك كعلم مسلم وحقائق ثابتة وينشأ على الذلة والمهانة لكل ما ينتسب إليه وينمو على احترام الأجنبي والنظرة إليه على انه المثال والمثل الأعلى، وغير صحيح ما يقال ان في العلماء