دعوة الحق، س5 - ع7 أبريل 1962 .................... ص60
من أدب النكبة الفلسطينية
للأستاذ محمد محمود مقلد
استلهمت هذا المقال من وحي النكبة الفلسطينية، ووجهني إليه تلك المحاولة الآثمة التي تقوم بها إسرائيل، لتحويل مجرى الأردن، هادفا من ورائه إلى تذكير العرب بالمأساة على لسان صفوة من شعرائنا المبرزين، عسى أن يكون في تذكيرهم عظة وعبرة، ولفت تنبيه وأملا في أن يستيقظ الضمير العربي الحي، فيبحث عن وسيلة للقضاء على تلك الزعنفة التي تتحرك من آن لآخر مهددة منذرة، والذكرى تنفع المؤمنين.
رزئ الوطن العربي بشرذمة من أفاقي الأمم لا تجمعهم رابطة نسب، ولا تصلهم وشيجة قربى، ومنى بحفنة من سماسرة الاستعمار، استقرت في قطعة عزيزة من ارض العروبة باسم (الوطن القومي) لليهود، متشبثة بدعايات كاذبة، وشعارات خادعة، ومتوسلة بهذه الدعايات والشعارات إلى سادتها من أمم الغرب الذين لفظوها من بلادهم، اتقاء شرها، ومكنوا لها في هذه الأرض المقدسة، ليكون لهم في قلب العروبة بؤرة فساد ينشرون منها سمومهم، ووكر فتنة يحيكون فيه مؤامراتهم، وتعهد هؤلاء السادة وليدهم غير الشرعي، فأمدوه بالمال والعتاد، ليكفلوا له النماء، ويضمنون لها لقاء، وسلمه الإنجليز بعد البلاد، تحديا لمشاعر العرب، وغدرا بهم.
وقد نشأ عن هذا التصرف الشائن محنة فلسطين، وتقسيمها، ثم حرب خاضتها الدول العربية ضد اليهود، حتى كادت جيوشها تحتل "تل أبيب" العاصمة المزعومة لإسرائيل لولا ان تدخل حلفاؤها من دول الغرب لحمايتها وفرضوا الهدنة فرضا لمصلحتها، حتى تظل خنجرا مصوبا إلى قلب العروبة.
ومرت الأحداث تباعا، ووقعت مأساة فلسطين، وظل جرحها داميا يتنزى ألما، ويفيض حسرة وكمدت، فأحسن بوخزة كل عربي، وهزت الأحداث مشاعر شعرائنا الذين عاصروا المحنة، وعاشوا هذه التجربة وانفعلوا بها هزا عنيفا، فانطلقت ألسنتهم بالشعر تصور المأساة وتشحذ عزائم العرب، وتقذف بالحمم على العدو الغاصب ومناصريه من دول الغرب في شعر مثقل حماسا، مفعم حقدا، كأنه الشهب ترصد كل أفاق جبان، وحليف مخادع.
وقد امتدت جذور هذه المحنة إلى عام 1917 بذلك الوعد الآثم الذي قطعه (بلفور) وزير خارجية انجلترا على نفسه لليهود، واتخذ طابعا ايجابيا، فسمح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، ومضت الأمور في تطور مستمر، حتى جاء عام 1936 فاشتدت المحنة، وهب أبناء فلسطين لمقاومة الانجليز والصهاينة مقاومة عنيفة، استرخصوا فيها كل غال، واستعذبوا كل ألم، غير مبالين بما يتهددهم على يد المستعمر الغاشم، والدخيل المحتال. وفي غمرة هذه الإحداث ويتحرك لمحنتهم، فيعرض علينا صورا متلاحقة للكراثة وما خلفته وراءها من ضحايا، ويبين كيف تألب عليهم المستعمر الخادع، واليهود الغاصبون، وكيف أن هذه البقعة الطاهرة من الأرض كانت مرادا