تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوية مشرقة يفر إليها الإنسان من واقعه المرير، ويجعلها معتصما لشخصيته كإنسان أن تعدو عليها المادة فتجرفها وتسحقها تحت كلكلها الثقيل، ولست أعني بالفرار من الواقع الهروب من مشاكل الحياة ومن مواجهتها، وإنما قصد الاستراحة من وطأتها ورتابتها بالعودة إلى النفس بعد ضياع عنها في معترك الحياة وصراع الوجود، لصلاة أوديها، أو قصيدة أترنمها أو قصة أعيش مع أبطالها وشخوصها أو ما إلى ذلك، وهذا هو الحد الأدنى الذي يأخذ به الإنسان من الأدب إذا لم يكن من المشتغلين به، فالصانع والعامل، والطبيب والمهندس، والمخترع، كلهم يأخذون من الأدب بحظ، لأنهم يجدون فيه أنفسهم بأحلامها وأمانيها وأشواقها، أما المشتغل بالأدب فهولا يعني عنده متعة على الهامش، بل هو موضوع حياته، ومحور نشاطه.

والدين والأدب جزء من كياننا النفسي، وضرورة من ضروريات وجودنا، وليس أدل على ذلك من أن الإنسان عرفهما قبل أن يعرف العلم، وقبل أن يعرف النظم والقوانين، ويتغلب على عوامل الطبيعة، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى قوة خفية تسنده ويفرغ إليها في أزماته، ومن هنا نشأ الدين، والإنسان يتأثر بكل ما يحيط به، والتأثر يدفعه إلى التعبير عن انفعالاته، ومن هنا نشأ الأدب، فهما بذلك من لوازم حياة الإنسان، وما خالف أحد عمل الطبيعة إلا شقي شقاء مرا أليما، فالإنسان إذ يقاوم الدين وينبذه يعيش في فراغ نفسي كبير، ويصير نهبة المذاهب والاتجاهات، كريشة بين مهاب الرياح، وهو عندما يتنكر للأدب، فلا يمد روحه بالغذاء الضروري، ولا يتركها تعبر عن أشواقها وآمالها وسعادتها وشقائها، يفقد تدريجيا وجوده وكيانه كانسان، ويصبح عبارة عن آلة تتحرك، وذلك هو الضياع والانتحار الأدبي في أبشع معانيه.

فاس: عبدالعلي الوزاني.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤١٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤١٩٩