قاعات العرض السينمائي والمسرحي: وهي من القاعات التي يقبل عليها الجمهور المغربي إقبالا منقطع النظير، ولكنه لا يفيد منها إلا النزر اليسير، فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار قصر فترة ما بعد الاستقلال معتبرين أن قصرها مانع من حدوث نهضة في هذا الميدان، فإنه ليس هنالك من إمارات تدل على محاولة تطوير السينما المغربية وتوجيهها.
السينما وسيلة حية من وسائل الثقافة الشعبية وسبيل هام من سبل انقاد الجماهير وتوجيهها التوجيه الصحيح ولكنها مهملة إلى حد بعيد.
و ما نرى في قاعات عرضنا السينمائية الا الخلاعة والمجون، في لغة بعيدة عنا أوفي لغة (عربية "مقطعة خير منها العدم، لما تدخله في روع جماهرنا بان تلك "العامية" هي العربية الفصحى.
أما المسرح، فليس لنا فيه -فيما اعتقد- من ارث أجنبي ثقيل ثقل ارثنا في الميادين الأخرى مما يجعل من السهل إنشاء مسرح مغربي قويم، وهنالك محاولات مسرحية مغربية ناشئة لم تؤت أكلها بعد، وليس من أهدافها -في الوقت الحاضر على الأقل- ان تكون من بين وسائل الثقافة المغربية الهامة، ولعلها تسعى إلى "الفكاهة" و "النكتة" و "السلوة" و"الترفيه" أكثر مما تسعى إلى الفن المسرحي الأصيل، أن هذه المحاولات مغربية على كل حال، لا يسع الإنسان إلا أن يشجعها، ويتمنى لها النجاح وحسن التوجيه.
الإذاعة المرئية والإذاعة المسموعة: أما الإذاعة المرئية فلا يزال الحديث عنها سابقا لأوانه لأنها لم تولد بعد، ولكنها -فيما يبدو- ستكون أحسن حالا من السينما المغربية على كل حال للظروف السعيدة المحيطة بولادتها ..
وأما الإذاعة المسموعة، فليس من اختصاصنا ان نتولى برامجها بالنقد والتعقيب، ولكن الحديث عنها كوسيلة من وسائل الثقافة المغربية، قد يفيد موضوعنا هذا في قليل أو كثير.
مهمة الإذاعة المغربية في أن تنقد المثقفين منكل "كسل عقلي" قد يصيب احدهم نتيجة التواضع أو عدم محبة الظهور، كما أنمن مهمتها أيضا اكتشاف العبقريات المخبوءة التي تضمن بثقافتها على الجمهور: على الإذاعة إنزال أمثال هؤلاء من أبراجهم العاجية إلى أسواق الشعب وأنديته في أحاديثهم وإذا عياتهم وسائر ما ينتجون.
والإذاعة "الموجهة" - فوق هذا- خير زاد ثقافي يتلقاه الانسان المغربي عن طريق السماع بالدرجة الأولى، وعن طريق المشاركة في الأحاديث الثقافية بالدرجة الثانية.
أما في الصعيد الشعبي أو "الفني" -إن صح التعبير- فان عليها توجيه المفتنين والمغنيين توجيها عربيا فنيا صحيحا، ذلك لأن آذان جماهير الشعب إنما تنتظر من الأغنية ان تذاع مرة لتتلقفها منهم، ناشرة لها في ابعد الآفاق بما فيها من خير أومن شر، ولا شك أن التوجيه الصحيح يفرض على الإذاعة أن تشجع المفتنين، وتكشف عن المغمورين من ذوي الفن الأصيل.
***
تلك جوانب ولمحات خاصة، عرضت لها من زاوية الثقافة الصرف، معرضا عن النظر إليها من مختلف نواحيها وزواياها حصرا للموضوع، ويوم يأخذ الجيل الصاعد على عاتقه النهوض بهذه الوسائل الثقافية المختلفة، كل في ميدان تفوقه ونبوغه واختصاصه، نرى أن هذه الوسائل ترتفع بنفسها -كما ارتفعت من قبل في التاريخ- من مرحلة القومية إلى مرحلة الإنسانية، ويومها نسمع عن انتشار الكتاب المغربي في الشرق العربي، وعن ترجمات للكتاب المغربي إلى بعض لغات العالم، كما نسمع يومها عن التعاون الثقافي المتبادل والمتساوي الأطراف بيننا وبين مختلف الأمم، في ميدان الثقافة والتربية والتعليم كما يتحدث الناس أيضا عن الطابع المميز لجمعياتنا الأدبية ونوادينا الرياضية كجمعيات عالمية ذات نظام ممتاز، ويومها تكون لنا مسرحيات عالمية نرفع بها الرأس، وتبادل إذاعي قوي على مختلف المستويات.