تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما القارئ فإنه إذا ما شكا قلة التأليف ورداءته، فإن ذلك لا ينجيه من تحمل تبعاته تامة كاملة ثقيلة .. اذ القارئ مرشح لأن يكون كاتبا ومؤلفا إذا ما قرأ الكتب و «تعددت» قراءته «للجيد» منها، فإذا لم يكفه -في هذا الوقت- الكتاب المغربي، فإن بين يديه - من جهة- الكتاب العربي (وهو كثير جيد) والكتاب الأجنبي على اختلاف ألسنته ولغاته -من جهة أخرى- بهما يغذي ذوقه وينمي ثقافته ليسهم بنصيبه في الثقافة، وعلى هذا ليس الكتاب رفيقا في الغربة فقط، وأنيسا في الوحدة فقط، ولكنه مسؤولية وتبعة، ووسيلة من وسائل الثقافة المغربية المعاصرة.

ذلك المؤلف، وهذا القارئ، أما الدولة فإن عليها التوجيه، توجيه المؤلف والقارئ، ولا يكون التوجيه بحال من الأحوال بفرض موضوع معين على الكاتب أو الزامه باتجاه معين، ولا بفرض مطالعة أنواع خاصة من الكتب على القارئ، وإنما يكون التوجيه بتشجيع المؤلفين على الإجادة الكثيرة في التأليف، وبتسهيل وسائل الطباعة والنشر وتحسينهما وجعلها رخيصة في متناول المؤلف والقارئ جميعا.

المدرسة: وللمدرسة علاقة وثيقة بالكتاب، فيها يتصل المواطن بالثقافة، وفيها يحبب إليه الكتاب أو يكره إليه، وتستطيع الدولة -وهي الساهرة على التربية والثقافة والتعليم- أن تقوم فيها بتأدية قسط وافر من مسؤوليتها في توجيه الناشئة إلى الكتاب وتحبيبه إليهم، وذلك بإعداد الإطارات الصالحة من الأساتذة الاكفاء الذين يؤمنون بالكتاب كوسيلة من وسائل الثقافة ويعتقدون بفضيلة التوجيه.

المدرسة ميدان من ميادين التربية الصالحة للمثقف، وأساس متين من الأسس الثقافية العامة، ووسيلة نافعة من وسائل التثقيف والتهذيب، ومن المؤسف أن المدرسة المغربية في وضعها الحاضر لا تؤدي هذه المهمات كلها، ولا تقوم بهذا الدور الخطير، ولا يمكنها أن تفعل ذلك ما دام التعليم فيها -في أساسه -بغير لغة أهل البلاد، ليس معنى هذا أن نجهل اللغة الأجنبية، ولكن معناه فقط وفقط أن نتعلم بلغتنا القومية أولا وقبل كل شيء .. ثم، لنتعلم بعد ذلك ما نشاء من الأسماء واللغات.

وإلى أن تصبح لغتنا العربية أساسا في المدارس كما هي أساس اليوم في بعض كليات جامعتنا المغربية، نحب أن نوضح أن سبيل الإفادة من المدارس كوسيلة من وسائل الثقافة، يتوقف على إخلاص القائمين عليها، وعلى حسن توجيههم للناشئة، ويكون التوجيه بتجهيز هذه المدارس بقاعات البحث والمحاضرات وتدريب الطلبة على القيام بالقاء الدروس وإعداد المحاضرات، واصدار مجلات مدرسية دورية تكون خالصة لهم يتولون بأنفسهم كتابة مقالاتها والتعليق عليها وتنظيمها وتحريرها، ويكون لأساتذتهم عليهم فيها حق الاشراف والتوجيه.

أما في الجامعة فيشترك الأساتذة والطلاب جميعا في إعداد ندوات أدبية، ويتبادلون الملاحظات العلمية، ويتساجلون في أبحاث ومقالات ومناظرات، تنشر على صفحات الجرائد والمجلات ليعم نفعها الجميع.

الجمعيات الأدبية والنوادي الرياضية: اننا نعيش في عصر يبحث عن الثقافة، ولا يحيى فيه إلا المثقفون، ومن مظاهر ذلك أن الناس بعد فراغهم من العمل في المجتمع العام، يأوون إلى مجتمعات ومنتديات خاصة يرتادون أبوابها لاكتساب ألوان جديدة من الثقافة مختلفة الطعم عن الثقافة العامة التي يعرفون، وقد يسعون في ذلك إلى الجد كما يسعون إلى الهزل، وقد يريدون من ذلك الأدب والفن كما يريدون السياسة والاجتماع، وقد يقصدون من ذلك إلى الرياضة كما يقصدون إلى الراحة، تلك ألوان من الثقافة المترفة يسعى إليها الناس في كل زمان ومكان، ولعل الإنسان المغربي إذا تفقدها أو سعى إليها لم يكد يراها.

إن الإنسان المغربي إذا حرمته ظروف الحياة من الاستمتاع بصحبة الكتاب، وإذا لم يسمح له الاستعمار يوما أن يتعلم في المدرسة، فليس بامكاننا اليوم ونحن -مواطنيه الاحبة- ان نمعن في حرمانه من التمتع بوسائل أخرى من الثقافة يمكن أن يستفيد منها، ويمكن أن يذوق فيها للثقافة طعما، كما يمكن أن يجد فيها لذته وراحته وهناءه، ذلك لأن جمعياتنا الأدبية ونوادينا الرياضية بما تبدله من نشاط أدبي وفني ورياضي كفيلة بأن تقوم بواجبها في هذا الميدان خير قيام، فعصر النوم قد مضى، وجاء عصر الصحو والافاقة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤١٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤١٩٢