وإذا كانت الغاية في انتهاج اللغة الأجنبية، أو الثقافة في فحواها هو اللحاق بالركب الحضاري، فإنه لا حضارة لثقافة لا تستمد من شلالي التراث والابتكار، واللغة الأجنبية لن تؤدي بنا إلى تلك الغاية بطبيعة تكويننا الاجتماعي، وإنما اللغة القومية وحدها هي القادرة في إلحاقنا بالركب الحضاري، وحتى لو لم تكن اللغة العربية بالنسبة لنا أحد شلالي الثقافة، لكان يجب أن تصبح لغتنا في المغرب الحديث باعتبارها القاسم المشترك الأعظم الذي يوحد شمال المغرب بجنوبه بعد الاستقلال.
ولكن، ان اللغة العربية توقفت عند التطور، رغم إرادة شعوبها، وأن القرون التي قضاها رجل أوربا المريض والدول المحتلة الأخرى التي أعقبته في محلتنا، أخرت تقدمنا وبتت التواكل في أنفسنا وعاقت لغتنا عن الحركة، بيد أن ذلك لن يكون سببا في أن يستمر المتخاذلون فينا والنواحون، ولقد سبق أنوجد في شعوبنا من دعا فيها إلى اللغة العامية فلم يفلح، ومن دعا فيها إلى لغة أجنبية فلم ينتج، وعلينا اليوم أن نستفيد من التجربة بأن نحاول ما لم يحاوله الآخرون، وأن هذه المحاولة المنتظرة، إنما موضوعها شكلا، التقدم بلغتنا في نطاق الاشتقاق والنحت والتعريب والترجمة، وموضوعها مضمونا، العناية بالكتاب المدرسي.
حدثني الأستاذ الأخضر مدير معهد التعريب بأنه عقد مقارنة معجمية بين الكتاب المدرسي الابتدائي الأول المتداول في مدارس فرنسا، وإسبانيا وألمانيا، وإنجلترا، وبين نظيره بالعربية عندنا بالمغرب، فالفى أطفالنا يعلمون مدركات هي نصف ما يتعلمه الطفل الأوربي، حيث أن هذا يقدم له في أول سنة دراسية ألف وخمسمائة كلمة، بينما لا نقدم لأطفالنا منها سوى سبعمائة كلمة، ولو شبهنا مراحل التعليم في بنائنا يهرم مقلوب الشكل، لتمكن تصورنا من تقدير ما عساها تكون عليه آفاق تلميذنا، بعد أن يصبح طالبا في الجامعة المغربية، وكيفما كانت الأسباب الباعثة على هذا النقص في كتابنا المدرسي، على غرار اللجنة التي اقتصرت علبها هذه المسؤولية الوطنية في فرنسا مثلا سنة 1880 لاستطعنا أن نتغلب على أي أسباب أخرى محتملة.
وأن معهد التعريب، في رأيي أعظم مشروع تقدمي للغة العربية في تاريخنا الحديث، ولكي يكون جهازا نافعا في خدمة الثقافة العربية الحديثة بالمغرب، يحسن بنا أن ننيط به كل ما من شأن التربة الوطنية وتعريب الإدارة أن يفتقرا إليه، وألا نحاول إشغاله عن المسؤوليات المحلية بأشياء قد يوجد في الأرض العربية المتسعة، من يتكفل بالنهوض بها.
إننا ننحدر من ثقافة عربية شئنا أم أبينا، وإننا من أحدث الدول العربية استقلالا، ومن أكثرها إمكانيات في الاقتصاد والجغرافية والسكان، وإن الجزائر الحرة المستقلة لتتشوق إلى منجزاتها في ميدان التربية الوطنية، والتعريب الإداري، أكثر مما تتشوق إلى غيرنا، بحكم الجوار والتاريخ المشترك في الماضي والحاضر، ولنسبة إمكاناتنا، وإننا اليوم لنشعر بمسؤولية مضاعفة أكثر من أي وقت مضى، وأن العناية بالكتاب المدرسي في مستوى هيئة عليا سوف تؤدي إلى الاستفادة الجدية منه، في منهجية التعليم برمته، وصوغه في قالب موحد من أول ستة دراسية إلى آخر سنة دراسية جامعية.
وسوف يسير يومئذ في حكم العادي وجود جامعة مغربية مثالية، لا تنعث بالأصالة ولا بالحداثة، يجوز أن تحمل اسم محمد الخامس أو اسم القرويين، تنشأ في الرباط أو في فاس أو في مراكش أو تطوان، أو فيها جميعا استقبالا، وفي غيرها من مدن المغرب الكبرى، في متناولها أن تشتمل على كلية للشريعة كما في إمكانها أن تشتمل على كلية الطب، ولن يكون هنالك نشاز على الإطلاق.
ولكن هل ننتظر أن يستقر التعليم ويعم التعريب في بلاد لما تستقر فيها وزارة التربية الوطنية على حال؟ في وقت كان ينبغي أن تكون أقوى كراسي الحكومة وأدقها منهجا ووضوحا، ولكن إن جيلنا نحن شباب هذه الأمة، ما يوال غير قادر بدوره على شكل أجهزتها الثقافية ومحتوياتها ومن المسلم به أن الشباب في أي جيل، هم عماد مستقبل الثقافة فيه، ولا نزاع في أن ما ظفرنا به من مؤهلات الثقافة حتى اليوم، لا يبعث على الأمل في أن مستقبل مجتمعنا الثقافي كفيل بتحقيق الطمأنينة للمغرب.
والأمر، في غير مراء، إنما هو متوقف على مدى استخدام الصرامة الجادة، في إقرار الشكل القومي لمحتويات أجهزتها الثقافية.