تنم عن بعض الخلاف في أوجه النظر، ولكنه خلاف بسيط جدا، لا يكاد الأمل القوي في القضاء على المحتل، أن يترك لذلك الخلاف متسعا للظهور.
ولا أريد أن أتعرض لمختلف وجوه النظر الى السياسة العامة، التي كان ينبغي ان تسير عليها البلاد بعدما جاء الاستقلال، فهذا شيء لا يتضح لي بقدر يسمح لي أن أفسره، أو أدخل في تفاصيله إنما الذي أحياه عن كثب هو اختلاف وجهات النظر، فيما يتسل بالعربية والفرنسية، باعتبارهما لغتين اثنتين في هذه البلاد.
الفرنسية لغة الإدارة لان اطر الدولة وضعت أساسا بالفرنسية ولان المستخدمين منهم كثيرون جدا ممن هم أجانب موظفون، وظروف إعلاننا للاستقلال لا تساعد على طرد هؤلاء أو إقالتهم، أو الاستغناء عنهم، لأننا فقيرون فعلا في الكمية الصالحة للإدارة من المغاربة، وإذا، فبقاء المستخدمين الأجانب كمرؤوسين في مختلف الوزارات والمصالح، أمر تحتمه طبيعة إمكاناتنا، ولكي تسير الشؤون الإدارية في وفاق لم يكن منطقيا ان يوظف في الإدارات من لا يعرف الفرنسية، لانه لن يفيد مطلقا في مهمته، بسبب ان التقارير التي تكتب او التصاميم التي توضع كلها وكل ما يتعلق بمصالح الإدارة، يكنب بالفرنسية بناء على ان كثرة عديدة من مظفي الإدارات فرنسيون، ونحن في حاجة إليهم كموظفين، وهم لا يغرفون شيئا عن العربية، وإذا إذاكنا في حاجة إليهم وهم لا يعرفون لغة البلاد فيتعين في رأي المسؤولين أن نستعمل نحن لغتهم ليفهمونا وبالتالي لنستفيذ في خدماتهم وهذا الإجراء الذي كانت تفرضه الظروف، يعني أن من ليس متعلما بالفرنسية ليس له مكانة في الإدارة، وإذا أتيح له هذا المكان فإنما في إطارات دنيا، أو متوسطة تلي الدنيا، وإذن فمن طبيعة ظروفنا أن يشغل وظائف الإطار العام المتعلمون بالفرنسية، حتى ولو لم يكنوا في ثقافتهم يعرفون أكثر من القراءة بالفرنسية، وهكذا يؤدي بالنهاية، إلى عدم الحاجة إلى خدمات المتعلمين بالعربية، إلا فيما سبق إن كانوا يشغلونهن قبل الاستقلال أو ما يشابه فيما بعد الاستقلال.
وعندما أدرك المتعلم بالفرنسية بأنه هو من يتقلد مناصب البلاد في عهد الاستقلال كالشأن به في عهد ما قبل الاستقلال ازداد ما يعانيه من مركب التعالي تمكنا من نفسيته، وكان الفريق الآخر قد شرع يقيم نفسه منذ حركة يناير 1944، كما أنه أخذ يضرب أمثلة مجسمة لقدرته في أشخاص معروفين من طبقته، فتكون لديه شعور بالتعالي هو الآخر، ولا سيما بعد الاستقلال وبذلك تتهيأ عوامل الصراع الثقافي لتبرزه على أشده.
ففي فترة ما قبل الاستقلال، لم يتعد هذا الصراع مرحلة الاحتدام، ذلك أن المنتديات والمدارس والتجمعات التي تعمل على إبراز مظاهر الصراع الثقافي، أو تحول دون وجوده أساسا، لم يكن مسموحا بها قبل التحرر من الاستعمار، فلما أنشئت الجامعة المغربية، بعد الاستقلال بدا ذلك الاحتدام يتبلور في صراع ثقافي، طرفا موضعه الثقافة الحديثة واللغة العربية، وهو صراع ما فتئ حتى اليوم ينمو، ويشتد خطره على حياة الاستقرار، تعكسه وسائل الإعلام التي في بلادنا، بجميع حيثياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية منها ودون معاناة جهد من الذي يرعب إلى التعريف بثقافتنا من خلال هذا الصراع،، وفي متناول حواس الفهم لديه ـن بقول: إننا إذا لم يلفينا شرقيين في ثقافتنا، ولا غربيين، فلكوننا ما برحنا نبحث عما يلائم موقفنا الحضاري، من ثقافات الغرب والشرق، ولكن، أما آن الأوان بعد، كيما نحدد موقفنا من هذه الثقافات؟ لقد مضى على تحررنا السياسي ست سنوات استطعنا خلالها أن نحقق منجزات عزيزة علينا، ولكن أي منها محتوانا الثقافي؟.
إن فريقا من الزملاء خريجي الجامعات الأوربية، قد تمذهب بأن من ورد من غيرها إنما هو ترك رأس العين ليغترف من جداولها، وفي اعتقاد هذا الفريق أن اللغة العربية، بما آلت إليه قد تخلفت عن الركب الحضاري، فأضحت مصطلحاتها الفكرية ثابتة، بيد أن الحضارة متطورة وتتطلب مصطلحات متحركة.
وإن هذه الحقيقة لا تتعارض وما تدين به طائفة المثقفين بالعربية وخريجي جامعات الشرق العربي، من أن اللغة العربية هي وحدها اللغة القادرة على إلحاقنا بالركب الحضاري، ذلك أن الحضارة في مفهومنا الواسع إنما هي إشعاعات للثقافة، التي تعود في شكلها الخارجي إلى لغة، والثقافة لأية حضارة، إنما هي عبارة عن نهل مستمر من شلالين اثنين هما التراث والابتكار.