تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5 - ع7 أبريل 1962 .................... ص43

مستقبل الثقافة في المغرب

للأستاذ جعفر الطيار الكتاني

-2 -

وتمر فترات تاريخية على مجتمعنا، يبدأ المثقف بالعربية على إثرها في تحسس قيمته، يتلمسها من خوف المستعمر من طبقته ومن مدى تنكيل ذلك المستعمر بمن هم من فئته، وتذوقت نفسية حامل الثقافة الثقافة الأصلية لأول مرة المدلول الواقعي لكلمة مأثورة تروى على لسان أحد مريشالات فرنسا، تتلخص في قوله عن القرويين: " إنها البيت المظلم" فمن كان يفهم معناها على حقيقته، من طلبة التعليم الأصلي، قيلون جدا، ونادرون، والذين كانوا منهم ومن تلامذة التعليم الأجنبي، يفهمونه على ظاهرة كانوا كثرة، وهذه الكثرة هي التي أصيب شطرها العربي، بمرور الأيام بمركب نقص، وشطرها الآخر بمركب التعالي.

والزمن الذي يمكن أن نحدد به بداية وضوح هذا الصراع النفسي، إنما يبدأ بحركة يناير 1944، عندما تشجع الشعب على التعبير عن شعوره بضرورة المطالبة بالاستقلال.

وكانت حركة الاستقلال مشبعة من أول يومها بالروح القومية والدفاع عن لغة البلاد، وبالتنديد بالمستعمرين الذين يجعلون هذه اللغة ومعاهدها عن عمد، دائما في المؤخرة، وانتفضت نفسية المثقف بالعربية تحت عامل هذا التشجيع المعنوي، وشرعت تنتعش لتبدأ في تغيير تقييمها لنفسها ولثقافتها، وكان معقل هذه الانتفاضات ومنتدى هذه الحركة، هو بناية جامع القرويين، حيث كانت تعتقد حلقات التعليم الأصلي، وكان الاستعمار ينكل بهؤلاء، ويطوق منتدياتهم بالدبابات والجيوش، ويرميهم من تحت أبواب المسجد الضخمة برصاص الرشاشات والبنادق الثقيلة

وليس معنى هذا، أن الذين تعلموا بالفرنسية أو الاسبانية لم يشاركوا يومئذ، كلا، وإنما الذين كانوا يظهرن على مسرح الأحداث في قيادة هذه المعارك، والذين كانت فرنسا ترتعب منهم، هم بالذات المثقفون بالعربية، وليس معنى ذلك، أن أحد فريقي الصراع لا يشتمل من بين أفراده على بعض أفراد من الفريق الآخر، فقد تجد بين المثقفين بالفرنسية أو الاسبانية، من غلبت عليه نشأته الأولى، فانضم إلى فريق المتعلمين بالعربية، وربما وجدت العكس، لدى الفريق الآخر، ويتضح نوع هذا الصراع الثقافي، في كل مناحي المجتمع المغربي، تجد له صورا في الأسرة الواحدة، وفي الحزب السياسي الواحد، ويتخذ له تصرفات في الأفكار السياسية، والوضعية الاجتماعية، تشرع في رسم اتجاه معين، يختلف عن تصرفات الآخرين في مجالات الحياة المغربية، ولكن الأحداث لم تكن تسيغ ظهوره يومئذ للعيان، فالاستعمار مهما يكن من خلاف عدو للجميع، ونقطة تتحد عندها كل الآراء المتنافرة، وعلى الاستعمار قبل كل شيء آخر تتجمع القوى المتشتتة، ويشتد تماسك هذه الوحدة الوطنية، في فترة المقاومة المسلحة، وإن كانت هي الأخرى لم تخل من تصرفات

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤١٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤١٨٣