ويقول جبران:
ليس في الغاب راع لا ولا فيها القطيع
ليس في الغاب حزن لا ولا فيها الهموم
ليس في العاب موت لا ولا فيها القبور
والشابي لمجموع ظروفه التي مرت بنا، يحاول أن يهرب إلى الغاب، ولنستمع إليه يقول (13):
في الغاب سحر رائع متجدر
باق على الأيام والأعوام
في الغاب في تلك المخاوف والربى
وعلى التلال الخضر والاجام
كم من مشاعر حلوة مجهولة
سكرى ومن فكر ومن أوهام
في الغاب في الغاب الحبيب وإنه
حرم الطبيعة والجمال السامي
طهرت في نار الجمال مشاعري
ولقيت في دنيا الخيال سلامي
ونسيت دنيا الناس فهي سخافة
سكرى من الأوهام والآثام
وإلى الغاب يسوق الشابي شياهه حيث الأعشاب والأزهار قد رواها الطل وغدتها الأضواء وحيث تستطيع أن تربض تحت الظلال بعيدة عن الثعالب والذئاب، وتجتر في صمت وهدوء مصغية لأناشيد النحل العذاب:
وإذا جئنا إلى الغاب وغطانا الشجر
فاقطفي ما شئت من عشب وزهر وثمر
أرضعته الشمس بالضوء وغداه القمر
وارتوى من قطرات الطل في وقت السحر
إن في الغاب أزاهير وأعشابا وعذابا
ينشد النحل حواليها أهازيجا طراب
لمتدنس عطرها الطاهر أنفاس الذئاب
لا ولا طاف بها الثعلب في بعض الصحاب (14)
فإذا كان الشابي قد ولد في هربه للغاب ليس متأثرا بالأدب الهجري فحسب وإنما هو واصف لطبيعة بلاده التي شغف بها وأحبها، وغريب أن يزعم بعض الباحثين من مواطنيه أنه نقل نفسه، (إلى الحياة الغربية التي لم يعرفها ولم يقع بصره على ألوانها فالغاب والضباب والراعي النافخ في نايه والثلج كلها أمور لم يعرفها الشابي ولم يعش في دائرتها) (15).
فإذا كان الشابي قد ولد في الشابية ونشأ في قفصه، وهي كلها تقع في جنوب البلاد التونسية الذي لم يعرف من هذه الأشياء بحكم مناخه الصحراوي غير الراعي، الذي يسوق خرافه نحو الواحات فإنه قد أقام شمالا في العاصمة مدة دراسته وبعدها، وخرج إلى ضواحيها وجال في غيرها من المناطق التي لم تكن هذه الأشياء غريبة عنها، وقد تحدث الشابي في قطعة نثرية جميلة عن ضواحي تونس العاصمة: فقال: (اما ذهبتم أيها السادة في يوم من أيام الربيع الحالمة إلى بعض ضواحي المدينة حيث البرية المهتزة الناضرة والغاب الموفق الجميل؟ أما رأيتم ذالك البلبل الأنبق المتنقل بين الغصون المورقة يترنم بأغاريده الرقيقة الشجية؟ أما أبصرتم تلك القبرة المتخطرة بين مخاوف الأشجار وحول مسارب الحقول تتغنى بتلك الأناشيد العذاب الطاهرة) (16).
- يتبع-
باريس: عباس الجراري
(13)
(14)
(15)
(16)