تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سأعيش رغم الداء والأعداء

كالنسر فوق القمة الشماء

أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا

بالسحب والأمطار والأنواء

وأقول للقدر الذي لا ينثني

عن حرب آمالي بكل بلاء

" لا يطفي اللهب المؤجج في دمي

موج الأسى وعواصف الأرزاء

فاهدم فؤادي ما استطعت فإته

سيكون مثل الصخرة الصماء

لا يعرف الشكوى الذليلة والبكا

وضراعة الأبطال والضعفاء" (10)

ولكنها حال لا يلبث أن تزول فيعود إلى بكائه ونواحه كارها الحياة، زاهدا فيها، متعلقا بالموت، الذي أصبح يرى فيه مخلصه مما يرزح تحته من أوجاع وآلام، فيفنى وعلى شفتيه ابتسامة الرضى، بما آل إليه:

الوداع الوداع يا جبال الهموم

يا ضباب الأسى يا فجاج الجحيم

قد جرى زورقي في الخضم العظيم

ونشرت القلاع فالوداع الوداع (11)

والحقيقة أننا حين نتحدث عن جانب الألم والحزن عند الشابي لا ينبغي أن نرد كل تأثر فيه إلى شعراء المهجر سواء منهم فوزي أو جبران، فالشاعر كما لاحظ دايوه، كان شغوفا بقراءة المعري ولزومياته بصفة خاصة، مما غذى لا شك نفسه الكئيبة ووجدانه المتوجع بل ربما كان تؤثره بأبي العلاء سابقا لتأثره بالمهاجرين لاحتمال تعرفه عليه قبل أن يتعرف عليهم، كذلك لا نريد أن نغفل تأثر الشابي في هذا اللحن بشعراء طليعة المدرسة الرومانتيكية في مصر أمثال عبد الرحمان شكري الذي ملأت شعره نغمات حزينة، كانت عصارة عنائه النفسي وشؤمه من الحياة والإحياء، وخليل مطران الذي لم يكن شعره في حالة مرضه يئن بغير الشكوىمن الحياة والحنق عليها.

ولعلنا لا نعجب من هذا إذا عرفنا أن فوزي المعلوف، وهو الذي قاربنا بينه وبين الشابي في الكئابة، تأثرا بلغ التأثر بشاغر القطرين، ويكفي للتدليل على هذه الأبيات يقول فوزي (12):

أنا الحزن مرسوم أنا السقم ظاهر

أنا الحب مصدود أنا الألم الراسي

أنا العابد العافي أنا هيكل الهوى

ألم تسمع من أضلعي صوت أجراسي

وهذا نفسه ما حبره مطران:

أنا الألم الداجي ولم يخب نبراسي

أنا الأسد الباكي أنا جبل الأسى

أنا الرمس يمشي داميا فوق أرماسي

وأما وجه الشبه الثالث فهو الهرب من واقع الحياة المؤلم إلى عالم الغاب، حيث لا سيد ولا مسود، ولا ألم ولا حزن ولا موت ولا قبور، وإنما هناك الحياة حلوة سعيدة تنطق فيها النفس على سجيتها حرة مغردة، فيصغي لها الكون، ويتجاوب معها بل هناك جنة الأحلام حيث الهدوء والطمأنينة والألفة والسعادة، يقول إلياس فرحات:

أحن إلى الغاب حيث الشرور

هنالك نيرانها خامدة

(10)

(11)

(12)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤١٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤١٨١