أما حبه لوطنه ورغبته في تحريره فكانا يدفعانه للثورة في وجه المستعمر وللثأر لكرامة أمته في قوة وتحفز بالغين، أكثر من الغربة التي عاناها ومنحبه لوطنه، كان هناك عامل آخر لعله أهم ما بعث في الشابي روح الكئابة والحزن، فقد كان مصابا بمرض صاحبه منذ أن فارقته رفيقة صباه وهو داء القلب الذي كان يمنعه عن كثير من أوجه نشاط الحياة والذي كان سببا في نهايته وهو في ريعان شبابه وربيع حياته، وكان يغلب عليه الألم فلا يعود يحس غير اليأس وسئامة الحياة الني يفصح عنها بقوله:
سئمت الحياة
وما ان تجاوزت فجر الشباب
سئمت الليالي وأوجاعها
وما شعشعت من رحيق بصاب
فحطمت كأسي وألقيتها
بوادي الأسى وجراح العذاب
فأنت وقد غمرتها الدموع
وقرت وقد فاض منها الحباب
وألقى عليها الأسى ثوبه
وأقبرها الصمت والاكتئاب
فأين الأماني وألحانها
وأين الكؤوس وأين الشراب
لقد سحقتها أكف الظلام
وقد رشقتها شفاه السراب (8)
وإذا من صراع الشابي مع الألم أنه كان يهوى العيش ويحب الحياة وأنه كان شديد الإحساس لما أصابه، نشعر ونقرأ قصائده الشجية اللاذعة مبلغ ما كان يقاسيه من أوجاع ومدى ما كان يتقطر على أشطارها من دموع وكأنها لحن الحياة المظلمة الكئيبة تجمعه أغاني الأسى والجراح، ولننصت إلى قطعة " أغنية الأحزان" (9):
حطمت كف الأسى قيثارتي
في يد الأحلام
فقضت صمتا أناشيد الغرام
بين أزهار الخريف الذاوية
وتلاشت في سكون الاكتئاب
كصدى الغريد
كف عن تلك الأغاني الباسمة
أيها العصفور
فحياتي ألفت لحن الأسى
من زمان قد تقضي وعسى
أن يثير الشذوذ في صمت الفؤاد
انه الأوتار
لا تغنيني أغاريد الصباح
بلبل الأفراح
ففؤادي وهو مغمور الجراح
بتباريح الحياة الباكية
ليس تستهويه ألحان السرور
وأغاني النور
غنني يا صاح أنات الجحيم
واسقيني الآلام
اترع الكأس بأوجاع الهموم
واسقني إني كرهت الابتسام
غنني ندب الأماني الخائبة
والليالي السود
هكذا تزداد وطأة الألم على قلبه فلا يعود يريد أن يستمع إلى تغاريد البلابل وأغاني الصباح وإنما تتوق نفسه لأنات الجحيم وكؤوس الأوهام، علها تهدئ من أوجاعه، فالحياة قد أصبحت أمامه ظلاما دامسا عميقا لا يحمل غير أصوات الموت المزعجة، تدق أجراسه منبئة بمغيب شمس الحياة فيتطلع إليها تهوي منحدرة آفلة وقد حملت في طياتها آلامه وأحلامه، ثم تبدو أمامه أشباح الموت مقبلة عليه، فيزداد نواحه وعويله، وقد تنتابه حالة نفسية تغير من نظرته القاتمة فيبدو صوته متمسكا بالحياة مؤكدا أنه سيقهر أعداءه وأنه سيبدد كل الآلام التي تفتك به ونحيط بحياته فيصيح:
(8)
(9)