تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتزعم الثورة ضده حتى إذا خشي الفشل فر إلى الإسكندرية وطاف بالشرق ينشر الدعاية لنفسه، وينتظر الفرصة للانقضاض على أبي الحسن مرة أخرى، ولذلك اهتم هذا الأخير بفراره، وعمل الوسائل على معرفة أخباره فلم يتصل بابن بطوطة حتى سأله عنه ولكنه طمأنه على الأقل بموقف المغاربة منه.

والحقيقة أن تخوفات أبي الحسن كانت صائبة فلم يلبث ابن تيفراجين أن رجع إلى تونس في ثامن عشر جمادى الأولى من سنة 751 هـ، وقام بانقلاب خطير في الدولة الحفصية حيث ولى على الملك أبا إسحاق إبراهيم ابن المولى أبي بكر وهو يومئذ قد ناهز الحلم (6) وتحقق لابن تفراجين ما أراد وأصبح شأنه في تونس كشأن المنصور ابن أبي عامر بالأندلس عند نهاية الأمويين بها، فقام بتدبير أمور الدولة وكان له في ذلك شأن عظيم، ولذلك يقول لسان الدين بن الخطيب عند تحدثه عن أبي الحسن المريني ونهايته بتونس وإرجاع الدولة الحفصية بها (ثم ضم نثرهم بعد نكبته وخروجه عن وطنه بإبراهيم بن أبي بكر عضد أمره وجبر دعونهم بهشيخ جماعتهم وفخر أوليائهم المجتمع على الأصالة دهائه وصحة تمييزه واعتدال سيرته أبو محمد بن تيفراجين (7).

هذا ولم يغفل ابن بطوطة حين توج إلى الأندلس الأسباب التي دعته إلى ذلك قال: (فأردت أن يكون لي حظ من الجهاد والرباط فركبت البحر من سبتة في شطي لأهل أصيلا فوصلت إلى بلاد الأندلس حرصها الله تعالى حيث الأجر موفور للساكن والثواب مذخور للمقيم والظاعن، وكان ذلك أثر موت طاغية الروم الفونسو وحصاره الجبل عشرة أشهر وظنه أنه يستولي على ما بفي من بلاد الأندلس للمسلمين فأخذه الله من حيث لم يحتسب ومات الوباء الذي كان أشد للناس خوفا منه) (8).

ان تحدثه عن حصار الإسبانيين لجبل الفتح مدة عشرة أشهر دون أن يستطيعوا التغلب عليه ليدل على ما كان لأبي عنان من العناية بحماية الدولة من الأعداء ومقاومة كل من يحاول الاستيلاء على بعض مراكزها والاستماتة في ذلك، ولقد ذخر ابن الجزي في هذه المناسبة بابن أبي عنان كان يهيء العدة في أيام السلم حتى لا يخول لمن تسول له نفسه الحرب أن ينتصر قال: (ومما شاع من أفعال مولانا أيده الله في الجهاد إنشاؤه الأجفان بجميع السواحل، واستكثاره من عدد البحر وهذا في زمن الصلح والمهادنة، إعدادا لأيام الغزاة، وأخذ بالحزم في قطع أطماع الكفار وأكد ذلك بتوجهه أيده الله بنفسه إلى جبال جاناتة في العام الفارط ليباشر قطع الخشب للإنشاء، ويظهر قدر ماله في ذلك من الاعتناء، ويتولى بذاته أعمال الجهاد مترجيا ثواب الله تعالى وموقنا بحن الجزاء) (9).

ومن أهم ما اهتم به ابن بطوطة في رحلته إظهار بني مرين بالعلم واهتمامهم بشؤون الثقافة والعمران لأنه يعلم أن هذا الجانب له أثر عظيم في الرفع من قيمتهم وتخليد مجدهم فلقد نحدث عن أبي عنان فقال: (وأما اشتغاله بالعلم فها هو أيده الله تعالى يعقد مجالس العلم في كل يوم بعد صلاة الصبح ويحضر لذلك أعلام الفقهاء، ونجباء الطلبة بمسجد قصره الكريم، فيقرأ بين يديه تفسير القرآن وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفروع مذهب مالك رضي الله عنه، وكتب المتصوفة وفي كل علم منها له القدح المعلى، يجلو مشكلاته بنور فهمه، ويلقي نكته الراقية من حفظه، وهذا شأن الأئمة المهتدين، والخلفاء الراشدين، ولم أر من ملوك الدنيا من بلغت عنايته بالعلم إلى هذه النهاية) (10).

ثم تحدث عن أبي الحسن بتونس فذكر أنه كان بمجلسه عدد من العلماء وذكر منهم عالمين مغربيين وهما الإمام أبو عبد الله السطي، والإمام أبو عبد الله محمد بن الصباغ، وعالمين تونسيين وهما قاضيها أبو علي عمر بن عبد الرفيع، وأبو عبد الله بن هرون (11).

إن وجود العلماء بمجلس الملك دليل على اهتمامه بهم واسترشاده بآرائهم، ولقد سجل التاريخ بأن أبا الحسن كان يشجع العلم حقيقة، وكان لا يسافر إلا والعلماء بجانبه ولقد ذكر الأستاذ عثمان العكاك عند

(6) الأدلة البينة النورانية عن مفاخر الدولة الحفصية للشيخ أحمد الشماع، ألفه في أواخر 861 ه، وعلق عليه الأستاذ عثمان الكعاع طيع بتونس 1936 م صفحة 129

(7) اللمحة البدرية في الدولة النصرية للسان الدين بن الخطيب طبعه سنة 1947 ه صفحة 95.

(8) رحلة ابن بطوطة الجزء الثانيصفحة 183 نفسالطبعة.

(9) نفس المصدر صفحة 183

(10) نفس المصدر صفحة 181

(11) نفس المصدر صفحة 178

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤١٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤١٧٥