التحدث عن أبي الحسن في تونس قوله: (ومن غريب ما اتفق للسلطان أبي الحسن أنه اصطحب إلى إفريقية أكابر العلماء مثل ما فعل نابليون في زحفه على مصر).
وعليه فإن ملاحظة ابن بطوطة على ذكر الاهتمام العلمي بل تحدث عن العمران العام الذي خلفه المرينيون فوصف آثار أبي الحسن بجبل طارق، وتحدث عن المدرسة التي بناها أبو عنان بحضرة فاس فقال: (ومدارس خراسان والعراق ودمشق وبغداد ومصر وإن بلغت الغاية من الإتقان والحسن فكلها تقتصر عن المدرسة التي عمرها مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله، المجاهد في سبيل الله عالم الملوك واسطة عقد الخلفاء العادلين أبو عنان وصل الله سعده، ونصر جنده وهي التي عند القصبة من حضرة فاس حرسه الله تعالى فإنها لا نظير لها سعة وارتفاعا، ونقش الجص بها لا قدرة لأهل المشرق عليه) (12).
وكأني بالقارئ بعد هذا العرض العام قد عرف آثار بني مرين في الحضارة المغربية واطلع على بعض جوانبها من خلال رحلة ابن بطوطة إلا أنه يمكن له أن يستفهم عن وجود ملكين في آن واحد ولدولة واحدة أحدهما بتونس، والآخر بالمغرب، يمدح كلاهما وتذكر مآثرهما بكل إجلال حتى لا يشعر القارئ بأي خلاف كان موجودا بينهما فهذا أبو الحسن بتونس، وهذا ولده ابو عنان بالمغرب الأقصى وكلاهما أثنى عليه ابن بطوطة وابن جزي معا فهل من المعقول ذلك؟ الواقع التاريخي يثبت الخلاف لأن أبا الحسن بعد استقراره بتونس وقعت بينه وبين الحفصيين حروب كاد يغلب في بعضها، فقتل من جنوده عدد كبير حتى شاع الخبر بهزيمته ونقلت جماعة من بني مرين وبني عبد الواد إلى أبي عنان بأن أباه كان أحد ضحايا الهزيمة فلم يسعه إلا أن يضم شأن البلاد، وأن يعلن البيعة لنفسه، ولكن لم تمر أيتم حتى ظهرت له الحقيقة وعلم أن أباه ما زال على قيد الحياة.
هذه مشكلة كبرى حدثن لأبي عنان فهل من المصلحة أن يتنازل عن الملك لأبيه؟ أم يجب عليه أن يستمر في ولايته ويلزم أباه بالتخلي عن العرش؟ إن الشعب أصبح مرتبطا به، وأنه يخشى على شؤون الدولة إذا ما تنازل عن الحكم، لأن أباه فقد تلك الهيبة التي كان يتمتع بها، وأخيرا رأى من المصلحة استبقاء الحكم رغم ما سيحدث عن ذلك من الأحداث، وأرسل الجنود لحماية الحدود وللقضاء على زحف أبيه، لكن شاء القدر أن يعبر أن يعبر أبو الحسن البحر وأن يصاب بالزوابع، وأن يصل إلى فئة قليلة من جنده إلى المغرب وأن يحارب ابنه، وشاء القدر أن تكون النتيجة عليه فيقتل بأحواز مراكش، بل يذكر بعض المؤرخين بأنه انتحر حزنا، وأنه قبل الانتحار أرسل رسالة إلى ابنه، يطلب منه أن ينتقم له من بني عبد الواد بتلمسان، ويذكر الشماع كيفية الانتحار فيقول: (فقصد نفسه في الذراعين، وترك دمه يسيل حتى مات في عشر صفر عام اثنين وخمسين وسبعمائة).
وبعد موته تولى ابنه دفنه وأقام له الجنازة، ولم يترك الألسنة تتحدث عن مقتل أبيه لأنه كان لا يطمئن إلى ذلك ولم يكن له بد من العمل على نشر بعض الأسباب التي دعته إلى مقاومة أبيه وتبيان ذلك، خصوصا في أراضي السودان التي كانت مرتبطة بأبي الحسن ارتباطا متينا فلقد كانت السفارات متبادلة بين مالي والمغرب، وكان السفير المالي في المغرب على عهد أبي الحسن هو الحاج موسى الونجراتي، ولما خشي أبو عنان من إفساد العلاقة بينه وبين السودان أرسل ابن بطوطة ليقوم بذلك ويظهر فضل أبي عنان والترحم على أبي الحسن رغم أن نهايته كانت على يده وحضر ابن بطوطة في مالي حفلة أقيمت لتباين الملك الراحل حضرها سلطان مالي والأمراء والفقهاء والقاضي والخطيب، ثم ذهب بعد ذلك إلى تكدا ليقوم بنفس العمل ولكنه جاءته الأوامر السلطانية بالرجوع إلى فاس فلبى الطلب بسرعة: (فلما عدت إلى تكدا وصل غلام الحاج محمد بن سعيد السجلماسي بأمر مولانا أمير المؤمنين وناصر الدين المتوكل على رب العالمين آمرا لي بالوصول إلى حضرته العلية وامتثلته على الفور ..... وخرجت من تكدا يوم الخميس حادي الحادي عشر شعبان سنة 754 ه في رفقة كبيرة فيهم جعفر التواتي وهو من الفضلاء) وأن المطلع على هذا النص سيقرر معي أن الرحلة السودانية لم يقم بها ابن بطوطة إلا بأمر من أبي عنان وأنها كانت مقصودة للدعاية له لأن الأمر بالإياب يستلزم الأمر بالذهاب.
ولما رجع ابن بطوطة إلى فاس ارتبط بالخدمة مع الدولة المرينية واستمر في ذلك إلى أن توفي سنة 779 هـ موافق 1377 م.
فاس: محمد عبد العزيز الدباغ
(12) نفس الرحلة الجزء الأول ص 252.