ولما تعرض ابن بطوطة لذكر مآثر أبي الحسن في جبل الفتح تعرض ابن جزي لمواقفه الحربية، ولاستيلائه عليه، من يد الإسبان فقال: (ثم فتحه مولانا ابو الحسن رضوان الله عليه واسترجعه من أيدي الروم بعد تملكهم له عشرين سنة ونيفا، وبعث إلى حصاره ولده الأمير الجليل أبا مالك وأيده بالأموال الطائلة والعساكر الجرارة، وكان فتحه بعد حصار ستة أشهر، وذلك في عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، ولم يكن حينئذ على ما هو الآن عليه، فبنى به مولانا ابو الحسن رحمة الله عليه المآثر العظمى بأعلى الحصن، وكانت قبل ذلك برجا صغيرا تهدم بأحجار المجانيق فبناها مكانه وبنى به دار الصناعة ولم يكن به دار صنعة وبنى به السور الأعظم المحيط بالتربة الحمراء.
ولما تحدث ابن بطوطة عن فضل أبي عنان وشيمه الكريمة قال ابن جزي: (لم يزل الملوك الأقدمون تتفاخر بقتل الآساد وهزائم الأعادي، ومولانا أيده الله كان قتل الأسد عليه أهون من قتل الشاة على الأسد فإنهلما خرج الأسد على الجيش بوادي النجارين من المعمورة يحوز سلا وتحامته الأبطال وفرت أمامه الفرسان والرجال، برز إليه مولانا ايده الله غير محتفل به ولا متهيب منه، فطعنه بالرمح ما بين عينيه طعنة خر بها صريعا).
ثم قال: ( ... لو أن عالما ليس له شغل الا بالعلم ليلا ونهارا لم يصل إلى أدنى مراتب مولانا ايده الله في العلوم من اشتغاله في امور الأمة وتدبيره لسياسة الأقاليم النائية، ومباشرته من حال ملكه ما لم يباشره احد من الملوك، ونظره بنفسه في شكاية المظلومين ومع ذلك كله فلا تقع بمجلسه الكريم مسالة علم في أي علم كان الا جلا مشاكلها، وباحث في دقائقها واستخرج غوامضها، واستدرك على علماء مجلسه مافاتهم من مغلقاتها).
وفي هذا التقريظ من المبالغة ما لا يخفى.
وليس إظهار موقف ابن جزي من بني مرين في الرحلة معناه سلبية موقف ابن بطوطة فان هذا الأخير أيضا استطاع ان يقوم بواجبه نحوهم وان يصور أعداءهم تصويرا مشوها فقد ذكر بعد خروجه الموحدين وولاتهم).
من المغرب ومروره بالجزائر ان احد المسافرين قد توفي وترك ثلاثة آلاف دينار من الذهب، وأوصى بها رجلا ليوصلها الى ورثته بتونس ولكن والي بجاية علم بذلك فانتزعها من الوصي واستبد بها دون أربابهاـ قال ابن بطوطة (وهذا اول ما شاهدته من ظلم عمال الموحدين وولاتهم).
إن التحدث عن ظلم الموحدين إنما هو إشارة إلى مشروعية الأعمال التي قام بها بنو مرين ضد الدولة الحفصية بتونس، فلقد توج أبو الحسن المريني إلى تونس وأزال الحفصيين من الحكم واستقر بها إلا أنه وجد معارضة كبيرة من بعض العرب فقاوموه مقاومة شديدة أدت إلى حصاره بالقيروان في سنة 749 ه، ولقد اتفق هؤلاء العرب على تولية احد الموحدين عليهم، واستطاعوا ان يستميلوا إليهم رجلا كان في جانب أبي الحسن هو أبو عبد الله محمد بن تافرجين ففر معهم واستغل معارضتهم لمصلحته، ولكن ما لبث أن فر إلى الإسكندرية حينما اضطرب أمر أصحابه.
ولما وصل ابن بطوطة إلى تونس ذكر اتصل بالملك أبي الحسن المريني وكان من الأسئلة التي وجهها إليه الأمير سؤاله عن ابن تيفرجين، قال ابن بطوطة: (فدخلت المشور الكريم وقبلت يد مولانا أبي الحسن رضي الله عنه، وأمرني بالقعود فقعدت، وسألني عن الحجاز الشريف وسلطان مصر فأجبته وسألني عن ابن تيفرجين فأخبرته بما فعلت المغاربة معه وأرادتهم قتله بالإسكندرية، وما لقي من اذايتهم انتصارا منهم لمولانا أبي الحسن رضي الله عنه).
ان ابن بطوطة هنا ايضا يظهر تعلق المغاربة بملكهم ابي الحسن رغم وجودهم في خارج المملكة لأنهم حاولوا قتل رجل علموا بخيانته للملك.
ولا شك أن تعرض ابن بطوطة لابن تيفراجين وتحدثه عن كراهية المغاربة له، يرجع الى الدور الخطير الذي لعبه هذا الرجل في تاريخ بني حفص، والتخوفات العظيمة التي كانت تنتاب ملوك بني مرين منه، لأنهم كانوا يعرفون قوة دهائه وكثرة حيله فهو الذي كان قد أثار حربا داخلية في تونس واستطاع الفرار بعد إذكائها في المغرب الأقصى وهو الذي استطاع في أيام لجوءه أن يزين لأبي الحسن غزو تونس والقضاء على بني حفص مؤملا من ذلك أن يفوض إليه الملك المريني أمر تونس بعد انتصاره فلما لم يبلغ هدفه قلب ظهر المجن، وازور عن أبي الحسن واتصل بأعدائه
(4) نفس الرحلة والجزء صفحة 184
(5) نفس الرحلة والجزء صفحة 180