كان هذا الرحالة معجبا ببني مرين نظرا لمواقفهم الحاسمة في تاريخ المغرب فهم سعوا في توحيده وإزالة الفرق بين حدوده وأعانوا سكان الأندلس على مقاومة الاسبانيين ولذلك كان لا يفتر عن ذكر محاسنهم ولا يغفل عن نشر محامدهم.
ولما رجع الى المغرب وجد على سرير الملك أبا عنان المريني الذي عمل على لم شتات المغرب العربي ونشر الثقافة العربية بين أجزاء البلاد، وكان من بين وزرائه ابو زيان بن ودرار الذي استأنس بابن بطوطة وأولع بأخباره ودافع عنه في كثير من المجالس حينما شاع الخبر، بأنه يكذب في روايته ويبالغ في أحاديثه ويتقول ما لا وجود له، فقد ذكر ابن خلدون أنه كان يشك في إخبار ابن بطوطة نظرا لتواتر الألسنة بتكذيبه، ولكنه قال ان ابن ودوار حذرني من الانسياق إلى أقوال الناس لما في ذلك من التحكم، ونهائي أن أستنكر شيئا من أخبار الأمم ما دمت لم أر بعيني ما يخالفه.
ولما أصبح ابن بطوطة يذيع مشاهداته وينشرها بين الخاصة والعامة، ـمر أبو عنان كاتبه أبا عبد الله محمدا بن جزي بأن يضم أطرافا ما يليه هذا الرحالة في كتاب يكون جامعا لفوائده مكملا لقاصده مع العمل على تنقيح الكلام وتهذيب معانيه.
قال ابن جزي (ونقلت معاني كلام الشيخ أبي عبد الله بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها، موضحة للمعاني التي اعتمدها، وربما أوردت لفظة على وضعه فلم أخل بأصله ولا فرعه، وأوردت جميع ما أوردت جميع ما أوردت من الحكايات والأخبار ولم أتعرض لبحث عن حقيقة ذلك ولا اختيار، على أنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك، وخرج عن عهده سائرها بما بما يشعر من الألفاظ بذلك، وقيدت المشكل من أسماء المواضع والرجال بالشكل والنقط ليكون أنفع في التصحيح والضبط، وشرحت ما أمكنني شرحه من الأسماء العجمية لأنها تلتبس بعجمتها على الناس، ويخطئ في فك معماها معهود القياس).
وكانت هاته المقدمة بمثابة تصميم خاص تقيد ابن جزي به في كتابة الرحلة والتزم تالسير على خطته في حبكما إلا أننا يحق لنا أن نتساءل عن الأسباب التي دعت أبا عنان المريني ليصدر أمره بكتابة الرحلة إلى كاتبه، أليس لابن بطوطة القدرة على كتابة رحلته بنفسه؟
الظاهر أن سبب ذلك يرجع إلى أمرين: أما أولهما فسياسي واما الثاني فأدبي، ونحن سنخصص حديثنا في هذا الموضوع عن الجانب السياسي فقط، وأما الجانب الأدبي فسنخصص له بحثا آخر.
الجانب السياسي يرتبط بالغاية التي كان يتوخاها أبو عنان من نشر الرحلة، فإنه كان يريد أن يستغلها للدعاية له ولأعماله، وأن يجعلها وسيلة للمس بأعدائه والكشف عن مساوئهم بحيث لا يقتصر ابن بطوطة عن نشر الأخبار مجردة بل يضيف إليها في كل مناسبة ما يرفع به بني مرين على العموم.
واذا كان ابن بطوطة قد يتوقف في هذا العمل بالنسبة إلى مرئياته العامة فهو ليس له إلمام بكثير من الحوادث السياسية التي وقعت بالمغرب أيام غيبته الطويلة، لذلك كان من الضروري أن يضاف إليه شخص آخر تكون له دراية بالوقائع الحديثة ومعرفة بأحوال الدولة القائمة وعلم بالسير العام الذي تسير عليه سياسة الدولة في الداخل والخارج، ولم يجد ابو عنان من كتابه من تجتمع فيه هذه الصفات مثل أبي عبد الله ابن جزي لذلك أمره بجمع ما يمليه ابن بطوطة في كتاب جامعا لفوائده مكملا لمقاصده.
ولقد عمل هذا الكتاب على تحقيق الغاية من اختياره، فكان لا يتوانى عن ذكر محاسن أبي عنان وغيره من ملوك بني مرين ولا يقصر في الحديث عنهم مهما أمكنه ذلك.
لما ذكر ابن بطوطة في رحلته الخصام الكريمة التي يتصف بها ملك العراق أبو سعيد بهادرخان قال ابن جزي: (كرم الله هذه الكنية الشريفة فما أعجب أمرها في الكرم وحسبك في مولانا بحر المكارم ورافع راية الجود الذي هو آية في الندى والفضل أمير المسلمين ابي سعيد ابن مولانا قامع الكفار والآخذ للإسلام بالثأر أمير المسلمين ابي يوسف قدس الله أرواحهم الكريمة، وأبقى الملك في عقبهم الطاهر إلى يوم الدين)
(2) أبو عبد الله كنية لمحمد بن بطوطة وكان يلقب في الشرق بشمس الدين وفي الهند ببدر الدين.
(3) رحلة ابن بطوطة الطبعة الثانية الجزء الثاني صفحة 107.