تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المياه الزرقاء ولا يعود .. وقال أنه ناداه، ولكنه يشك في أنه سمعه لبعد المسافة بينه وبين الشاطئ ...

وخرج كثير من الصيادين في مراكبهم للبحث عنه .. وقضوا ليلة بأكملها يجذفون ويبحثون بفناراتهم القوية وينادون ..

وفي الصباح عادوا وعلى وجههم خيبة وإرهاق ..

وحين خلا الشاطئ من الناس، بقيت العباسة وحدها تبكي، حتى أخذتها خادمتها المخلصة عائدة بها إلى بيتها ..

وهكذا انتقلت هذه القصة مع بقية وثائق العباسة إلى بيتنا.

*

وسأل أحد الصغار: "وأين الدينا"؟.

"الدينار؟ أوه ... لا أدري .. قد تكون صرفته العباسة في طور حياتها الأخيرة"!.

وتركت قصتي على أوجه الصغار أثرا عميقا .. وسكتوا جميعا يفكرون في تفاصيلها .. ثم بدأت المناقشة ..

ولم تمض يومان على حكايتي لهذه القصة حتى انتشرت كالنار في البنزين في المدينة ..

وانتهت عطلتي، وعدت إلى مقر دراستي الثانوية، وفي أول ليلة لي بالقسم الداخلي طلبت مني الجماعة أن أحكي لهم قصة.

فسألت هل يعرفون قصة "شويدن" تمهيدا لحكايتها .. فقالوا كلهم أنها قديمة: لقد حكاها لهم طالب من مدينتي بالأمس، وانتشرت بين طلبة القسم الداخلي انتشارا سريعا ..

ثم نزلت إلى المدينة الكبيرة لتكتسحها ..

وفي داخل الفصل من السنة، وقد نسيت أنا عن القصة، ترامت إلى مسمعي من مدينتي الصغيرة أخبار عجيبة ..

جاء أحدهم يحكي أن جماعة من رجال السحر والأرصاد قدموا من سوس إلى المدينة للبحث عن كنز في ناحية الكهف .. وقد وجدوا مساعدات كثيرة من بعض السكان ومن المراقب العسكري نفسه ..

وبدأ الحفر داخل الكهف وخارجه .. وكان أهل المدينة يضيفون الفقهاء السنوسيين ضيافات فخمة طمعا في جوهرة أو عقد من الكنز المنتظر:

وكان الفقهاء يوزعون الوعود والناس تغدق لتمويل مشروع الحفر.

وحفر العمال نفقا عميقا في جدار عال بداخل الكهف، وتفرعوا في داخله يمينا وشمالا ونزلوا إلى تحت مستوى مياه البحر.

وفي صباح يوم فوجئ العمال بوجود جثة في قاع النفق .. وبعد فحص الجثة تبين أنها لرجل من الفقهاء الموجودين بالمدينة ..

وكثرت الإشاعات على أن للكنز توابع وأرصادا .. وأن الحفر قد وصل نهايته ..

وبعد يومين وجدت جثة أحد الفقهاء بداخل النفق .. لم يكن غريبا .. بل كان واحدا من الباحثين الثلاث ...

وتسرب الخبر إلى الجرائد فكتبت عنه "إسبانيا" بإيجاز واعدة قراءها بتفاصيل القصة ..

وخاف المراقب العسكري أن يقع في ورطة فأوقف عمليات الحفر.

وفي تلك الليلة اختفى الفقيهان الباقيان.

وحين نزل المحقق إلى قعر النفق وجد آثار جرة كبيرة في طين الحائط .. واستمر البحث حوالي النقطة ليسفر عن وجود قطع من الجرة مبعثرة هنا وهناك!.

لقد هرب الفقيهان بالكنز الموعود .. وخرج البوليس ورجال الجيش للبحث عنهما فلم يعثر لهما على أثر ..

وهكذا انتهت القصة الملعونة التي بدأت في صباح يوم صيفي وديع، فقط، لتبعث الدفء في قلوب الصغار وتنسيهم متاعب الطريق الطويل.

الرباط: أحمد عبد السلام البقالي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤١٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤١٢٧