وبدأ قلبه يدق بعنف وهو يجذب الباب لينفتح ..
وانفتح الباب إلى تحت ... نزل أعلاه إلى الأرض، فإذا بسلم حديدي ملصق بباطن الباب وأطل بداخلها فإذا ظلام حالك يسمع بداخله وقع قطرات ماء تنزل من السقف على الأرض ..
وبحت في جيبه عن الوقيد، فأشعل عودا ثم صعد السلم، ودخل ..
كان داخل المكان عبارة عن قبة عالية تتدلى منها أستار كثيفة من العنكبوت، وعلى الأرض فردات رحي تتدرج في الضخامة والوزن ... واختار هو واحدة كانت أصغرها وأخفها، فرفعها من مكانها فإذا تحتها بئر على جداره سلم حديدي .. فأشعل عودا آخر ونزل البئر إلى نهايته، فإذا به أمام الباب قديم ضيق، وحين دفعه هوى إلى الأرض غبارا مسحوقا .. وأشعل عودا آخر وتقدم، فإذا به وسط قاعة أضاءت الوقيدة فيها فجأة إضياءة باهرة ... ونظر حواليه فإذا الجدران والسقوف والأرض كلها تلمع وتعكس أشعة وقيدته الصغيرة ..
وبقي مبهورا فاغر الفم حتى أحرقت الوقيدة أصابعه لتنبهه أنه ليس في حلم فاضطر إلى إشعال أخرى.
كان المخبأ كنزا قديما يحتوي على صناديق معدنية وخوابي فخارية وتماثيل حجرية كلها ملآنة عقودا أو جواهر ودنانير بحجم الكف الكبير، وسيوفا وخناجر وأحزمة وتيجان مرصعة إلى كل ما يدركه وما لا يدركه الخيال.
وكاد "شويدن" يجن وهو ينظر إلى ما يرى حوله ... وفي النهاية قرر أن يعود وحده ليحمل على بغلته كل ما تستطيع حمله، كل ليلة قليلا، حتى ينقل الكنز إلى بيته ..
وحين هم بالخروج انحنى فالتقط دينارا من الدنانير الذهبية العملاقة ووضعه في جيبه وخرج ..
ومن فرط تأثره لم يستطع الصبر على البقاء مع زميله، فقال له أنه أصيب بدوار مفاجئ وأن عليه أن يصحبه إلى البيت، وعاد الاثنان إلى المدينة.
ومع منتصف الليل كان البحر في جزره الأقصى .. وقد هرب الماء عن الكهوف .. وخرج "شويدن" ببغلته يشق طرقات المدينة الخالية حتى الشاطئ، وحين وصل إلى كهفه المعلوم، ربط البغلة على صخرة ببابه، وأشعل فنارا كبيرا .. ودخل ومعوله في يده قاصدا باب الكنز .. وفي مكانها بالذات بدأ يبحث عن الحلقة الذهبية التي كان قد غطاها ببعض نبات البحر ..
وبحث مرة واثنين وثلاثة دون أن يجد لها أثر ... وأقبل على النبات بمعوله يزيله عن الصخرة الصماء، حتى عرى المنطقة كلها من نبتها، وبدأ يبحث بفناره عن إطار الباب الحجري المدفون في الصخرة فلم يجده ..
وكاد يجن .. بدأ يشك في شيء حتى في أنه مستيقظ، وبدأ يضرب على الصخور بقبضته ويصرخ ليعرف أنه صاح، فكانت أغوار الكهف تردد صراخه ثم تعود إلى صمتها الأزلي ..
وقعد على صخرة هناك ينظر إلى فناره في شبه غيبوبة بليدة ..
وبدأ المد ..
ودخلت موجة فأطفأة الفنار ... وبدأت البغلة المربوطة خارج الكهف تحمحم وتحاول الفكاك، من رباطها حين بدأ الموج يتكسر على قوائمها ..
ولم يستيقظ "شويدن" حتى كادت الأمواج تغطيه فأفاق من غيبوبته وخرج يجري، كانت البغلة قد قطعت رباطها وعادت إلى المدينة، وعاد هو وحده يهذي بكلام غير مفهوم.
وبعد أيام قلائل شاع خبر جنون "شويدن" ..
وفسره الناس تفسيرات كثيرة مختلفة .. فمنهم من قال أنه رأى "عيشة قنديشة" جنية البحر التي تختار الشباب وتخطف عقله .. ومنهم من قال أنه الكيف والحشيش.
واحتفظت أمه "العباسة" وحدها بالسر .. لقد وجدت الدينار في جيب ابنها كدليل على صدق ما حكاه لها عن الكنز ...
وبعد يومين جاء أحد أهل الساحل إلى المدينة يخبرهم أنه رأى رجلا يدخل البحر متجها غربا نحو