تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 .................... ص 84

قصة العدد: القصة الملعونة

للأستاذ: أحمد عبد السلام البقالي

يصل المد والجزر غايتهما القصوى عند منتصف كل شهر قمري .. وعند الجزر الأكبر يهرب البحر عن شواطئ المدينة الساحلية الصغيرة فيترك صخورا سوداء وخضراء ورمادية، ومروجا عميقة زرقاء، وبحيرات كبيرة بين تلال الرمال ... وكلها تعكس أشعة الشمس الغاربة بحمرتها وشاعريتها.

هذا المنظر كان دائما يلهب خيالي ويغرقني في إغفاءة لذيذة كلما شاهدته.

وفي ذلك الصباح بالذات كان الجزر قد بلغ منتهاه وكنت أقود جماعة من صغار الكشافة نحو الضاحية الجنوبية للمدينة الصغيرة، حيث توجد الكهوف والشقوق المظلمة، التي يعشش فيها الحمام والخفافيش، ويملأها البحر حتى منتصفها عند المد الأكبر ..

وبدأت علامات الإعياء تبدو على الأوجه الصغيرة، وانقطع الحديث، ولم يبق يسمع إلا صوت تكسر الأمواج على الصخور البعيدة داخل البحر ..

ولأصرف أذهانهم عن التفكير في طول المسافة، بدأت أحكي لهم قصة ارتجلت كل حوادثها في الحين ... بدأتها بمقدمة حتى أضفي عليه نوعا من الجدية، وأبعد بها عن لغو " مداحي" السوق ..

سألت: "من يعرف العباسة؟ " فأجاب أكبرهم: " العجوز العمياء؟ ".

قلت: "نعم".

قال: لقد ماتت، أليس كذلك؟.

قلت: "نعم منذ عدة أشه .. ولقد أوصت لأبي بصندوق فيه كثير من الوثائق والأوراق القديمة هذه الأيام كنت أنشر محتويات الصندوق على السطح للشمس فعثرت على كراسة بها قصة عجيبة كتبها أحد العدول بخط يده ... ".

وسأل أحدهم بلهفة:

"وما هي القصة؟ ".

وتحنحنت قبل أن أبدأ:

"القصة بدأت قبل أربعين أو خمسين سنة .. طبعا قبل دخول الاستعمار .. كان بالمدينة صياد شاب يدعى " شويدن" من أقارب العباسة، كان يعيش هو وعائلته في فقر مذقع .. يعمل صياد سمك في الصيف وحائكا في الشتاء.

وفي يوم خرج هو وزميل له لجمع محار "السرنباق". وكان البحر في زجره الأقصى ... مثل اليوم .. وتفرق الزميلان على صخور الساحل وبين المروج يقتلعان المحار الكبير الممتلئ بمعاول صغير متينة .. "

ودخل "شويدن" الكهف متتبعا حقلا مستطيلا من المحار النابت بداخله .. وبينما هو يضرب على الصخور، دخل طرف المعول في شق صلب بين النبات البحري الذي يكسو الصخرة.

وأزاح " شويدر" بيده النبات عن رأس المعول، فوجده داخلا في حلقة ذهبية لامعة ..

وفوجئ بما وجد، فهم بمناداة رفيقه .. ولكنه آثر أن يعرف ما وراء الحلقة أولا، حتى إذا وجد شيئا كان له وحده، وأدخل المعول في الحلقة مرة أخرى وبدأ يجذبها بقوة .. وبعد عدة دقائق من الجهد شعر أن بابا كبيرا ينشق حوالي الحلقة ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤١٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤١٢٥