دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 .................... ص 62
مقر ماركيزة الاستعمار الجديد في موريطانيا
للأستاذ احمد الغربي
إن طبيبعة التطور التاريخي في البلاد التي كانت خاضعة للحكم المباشر، المتمثل في الجيوش المقيمية والحاكم العام، والجهاز الإداري، وأن ازدياد الوعي عند الشعوب المغلوبة وتوفر أسباب الاتصال بين القوات التحريرية في مختلف الأقطار، إن كل ذلك دعا دهاقنة الاستعمار إلى إحداث تغيير لا في أهداف مشاريعهم الاستغلالية وحرصهم على تخليد نفوذهم السياسي، ولكن في الأسباب التي يتوسلون بها للوصول إلى تلك الأهداف وتكريس ذلك النفوذ.
إن هذا التغيير الظاهري يدعوه المعلقون السياسيون ومؤرخو النصف الثاني من هذا القرن بالاستعمار الجديد.
غير أن اختلاف الدول التي تأخذ اليوم بهذا الأسلوب الجديد من الاستعمار في الكياسة والتحايل اللذين تتستر ورائهما المرامي الاستغلالية يجعل مظاهر هذه الطريقة تبدو جالية واضحة أو تضمر وتحتجب حتى تكاد تبين.
والقارة الإفريقية تقدم لنا أمثلة حية عن النوع الأول بصفة خاصة.
فالقارئ الكريم يعلم الكثير عن شركة "فايرستون" التي لا تستغل مطاط نبيريا منذ عدة قرون فحسب، ولكنها تسمح لنفسها بأن تقيم بين تلك الجمهورية الإفريقية دولة داخل دولة لها بوليسها الخاص وإدارتها المستقلة وخطوط مواصلاتها المحتكرة وميناؤها إلى غير ذلك من الأشياء التي تجعل عمليا جميع المرافق العامة بل وحتى مظاهر السيادة في يد أفراد مغامرين حملتهم سفن الاستكشاف من العالم الجديد في القرن الثامن عشر إلى هذا الساحل الإفريقي.
والقارئ يعلم الكثير كذلك عن الشركة المعدنية لشمال كطانغا، وشركة الماس في جنوب إفريقيا وشركة النحاس في روديسيا الشمالية وغيرها من الشركات الإحتكارية التي أباحت لنفسها هي الأخرى أن تستغل خيرات إفريقيا قهرا وغلبة، وأن تبسط سلطانها على الحكام المحليين مقيمة بذلك، وبصفة تعسفية كذلك دويلات داخل الدول الإفريقية، تقدم لها فتات الموائد متى شاءت وتبذل لها من أسباب القوة والحماية متى رأت أن ذلك يضمن استمرارها ويؤمن أرباحها.
إن ذلك بالضبط هو ما فكر فيه "المكتب المعدني لفرنسا ما وراء البحار" التابع للدولة الفرنسية عندما عقد اتفاقية مع الحكومة الصورية عام 1952 لاستغلال معادن الحديد في موريطانيا.