الموروثة عن عهد ما قبل الإسلام. ولم يتعمقوا في هذا الدين إلا على عهد المرابطين. ولا محل هنا لذكر تفاصيل الدعوة التي قام بها عبد الله بن ياسين ويحن إبراهيم الكدالي والصعوبات التي لقياها في نشر الإسلام إلى أن أقاموا رباطهم على ضفاف نهر السينغال، فكان لهذا الرباط الدور الحاسم في قيام دولة المرابطين وامتداد نفوذها في المغرب بأسره والأندلس، كما كان له الأثر البعيد في تغلغل الدعوة الإسلامية بأعماق إفريقيا السوداء.
إن دور الصحراء موريتانيا في نشر الدعوة الإسلاميةبإفريقيا السوداء وحمل مشعل الحضارة العربية بصورة عامة والمغربية منها بوجه خاص دور عظيم لم يقدر له أن ينشر بعد ليعرف النشء الحديث كيف أن الأجداد لم يكونوا يقيمون وزنا للفيافي والقفار وأنهم أخذوا من هذه الصحراء القاحلة جسرا يعبرونه بدلا من أن يعتبروها حاجزا يتوقفون عند حده، هذا في وقت كانت فيه المواصلات تقتصر على الإبل، وهو أمر يدعو إلى الاندهاش والإعجاب في آن واحد.
إن الإمبراطورية الرومانية رغم اتساع رقعتها لم تستطع أن تتوغل في القارة الإفريقية. والمعروف أن زحفها وقف عند حدود معينة في المغرب، فلم يتعدها، بينما امتد الفتح الإسلامي إلى القارة السوداء في سرعة فائقة، لم يكد العرب المسلمون يمهدون إفريقيا الشمالية والصحراء الغربية أي موريتانيا بالاصطلاح الحديث حتى جردوا فصيلة لغزو السوادين، فما كاد يمضي قرن على وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى دخل الغزاة العرب إلى الجزء الغربي من إفريقيا السوداء بقيادة حبيب بن أبي عبيدة "ومن ذلك التاريخ لم ينقطع الاتصال بين العالم العربي وإفريقية الغربية السوداء1.
وذكر أحد علماء الآثار المعاصرين2، إن الفترة المتراوحة بين 622 و1434 تمتاز بصفة جديرة بالإشارة، وهي "تأثير المدنية العربية -البربرية الإسلامية وحدها من الخارج على إفريقيا الغربية: إن الاتصالات التي استمرت طوال ثمانية قرون كان لها الأثر الحاسم على هذه البلاد وخاصة على الصحراء والسهول التي أصبحت تحمل علامة ثابتة لهذه المدنية. لقد استعمر العرب الصحراء الغربية فكونوا باختلاطهم مع البربر الشعب الموريطاني. ثم اعتنقت الإسلام شعوب الصحراء وكذلك سكان سهول إفريقيا السوداء. وأخذت ترد على هذه النواحي آثار المدينة العربية على اختلاف أنواعها. وجعل سكان المغرب من هذه النواحي مناطق تابعة لهم من الوجهة الاقتصادية".
وأشار نفس المؤلف في موضع آخر إلى أن غرب إفريقيا ظل متجها نحو إفريقيا الشمالية حتى بعد تسلط أوربا على القارة السوداء.
(يتبع)
الرباط: قاسم الزهيري.
1 - L'ouest africain au moyen-Age : R. Mauny p 25.
-2 نفس المؤلف ص 18