ومن العرب الذين عنوا بأخبار إفريقيا السوداء نجد ابن حوقل في القرن العاشر. وقد رحل إلى إفريقيا، والبكري في القرن الحادي عشر، والإدريسي في القرن الثاني عشر، وياقوت الحموي في القرن الثالث عشر، وابن خلدون، والعمري في القرن الرابع عشر، ثم ابن بطوطة في القرن الرابع عشر كذلك وحسن بن محمد الوزان المعروف بليون الإفريقي في القرن السادس عشر وكلاهم رحل إلى إفريقيا السوداء.
ثم خلف هؤلاء المؤرخين سود من بينهم محمد الكوتي من أبناء النيجير، وقد ألف تاريخا أسماه "تاريخ الفتاش" وعبد الرحمان السعدي من مواليد تيمبكتو وهو صاحب كتاب تاريخ السودان. ونجد أيضا مؤلفا ثالثا اسمه تذكرة النسيان لمؤلف مجهول .. ثم بدأت أوربا تشرئب لتملك الأقطار الإفريقية وأخذت تزحف بإرسالياتها وجيشها لاحتلال القارة السوداء، ومنذ لقرن السابع عشر، عنى المؤلفون البرتغاليون والهولنديون على الخصوص بأخبار هذه الأقطار، وتبعهم باقي الكتاب من مختلف الأجناس.
من خلال الأخبار التي رواها المؤرخون والجغرافيون والرحالة العرب ثم المؤرخون السودانيون نستطيع أن نكون فكرة عن الممالك الإسلامية التي نشأت بإفريقيا السوداء ومدى ازدهارها. ويجدر أن نشير بادئ ذي بدء أن عدد هذه الممالك من الوفرة بحيث لا نستطيع أن نلم بها، فضلا عن استقصاء أخبارها في هذا الحديث، ولهذا فسنقتصر على ذكر الممالك التي نشأت بالخصوص في إفريقيا الغربية والتي كانت لها علاقات مكينة ببلادنا من أقدم العصور. وأثر في المغرب تأثيرا مباشرا. ونعني بهذه الممالك على الأخص: مملكة غانا ومملكة مالي ومملكة السغاي. ويحسن قبل أن نتعرض إلى أخبار هذه الدول أن نشير إشارة خفيفة إلى أصل امتداد الإسلام إلى إفريقيا السوداء.
امتداد الإسلام إلى إفريقيا السوداء.
لقد امتد الإسلام إلى هذا الجزء من قارتنا عن طريقين: طريق المغرب متخطيا جنوب بلادنا تجاه موريتانيا ومتغلغلا في السوادل الغربية إلى ضفاف النيجير، وطريق مصر على طول النيل أو طرابلس إلى البلاد الإفريقية الشرقية الواقعة على البحر الهندي. ولم يكن إشعاع نور الإسلام من هذين اطرفين بدعا، فهما الطريقان اللذان سلكتهما كل من مصر الفرعونية وقرطاجنة وبيزنطة قبل ذلك لحمل مدينة البحر المتوسط إلى أعماق إفريقيا. وقد كانا طريقي المبادلات التجارية بين إفريقيا الشمالية وإفريقيا السوداء قبل التاريخ بعدة قرون.
ونجتزئ في هذا الحديث بالتعرض إلى امتداد الإسلام عن طريق المغرب، لعلاقة ذلك بالممالك التي سنفضل الحديث في شأنها.
لقد دخل الإسلام إلى إفريقيا الغربية عن طريق المغرب كما تقدم لنا عبر صحراء موريطانيا التي كان يسكنه الملثمون من قبيلة صنهاجة البربرية على ما ذكره المؤرخون وفي مقدمتهم ابن خلدون. وأقام الملثمون دولة قبل الإسلام في الصحراء بعدة قرون وكانوا يدينون بالمجوسية. فقد روى ابن خلدون: "كان دين صنهاجة أهل اللثام المجوسية شأن برابرة المغرب، وما يزالون مستقرين بتلك المفالات الصحراوية حتى كان إسلامهم بعد الأندلس" وروى صاحب كتاب الاستقصاء أبو العباس أحمد بن خالد الناصري أن امتداد الإسلام إلى صحراء موريتانيا كان على يد القائد العربي والصحابي الجليل عقبة بن نافع في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه. وفي هذا الصدد يقول صاحب الاستقصاء: "وصل عقبة بن نافع إلى جبال درن ودوخ بلادهم ثم أجاز إلى بلاد سوس لقتال من بها من صنهاجة أهل اللثام، وهم يومئذ على دين المجوسية ولم يدينوا بالنصرانية .. "
وغير خاف أن الفتح الإسلامي الأول لبلاد المغرب بمفهومه العام أي شمال إفريقيا قد أعقبته فتن كثيرة امتدت عدة أجيال، فاصطدم هذا الفتح بعراقيل، ومقامات. وكان السكان يعتنقون الديانة الجديدة ثم يرتدون عنها، ونشأت عدة فرق إسلامية تبعا لما أصبحت عليه الحال من تفريق كلمة المسلمين بعد موت عثمان. ولم تتوطد أركان الدعوة الإسلامية في المغرب إلا بعد مجيء إدريس وقيام دولة الأدارسة، ومن ذلك الحين أصبح المغرب القاعدة الأمامية للإسلام، وشعت من جوانبه الرسالة المحمدية نحو الصحراء وما تلاها من إفريقيا السوداء إلى حدود نهر النيجير.
دور الصحراء في نشر الإسلام
وإذا كان سكان الصحراء الملثمون من برابرة صنهاجة قد اعتنقوا الإسلام تدريجيا، فإن إسلامهم كان سطحيا حيث احتفظوا بتقاليدهم وأساليبهم