تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 .................... ص 59

شؤون إفريقية: الممالك الإسلامية القديمة في إفريقيا السوداء

لللأستاذ: قاسم الزهيرى

يتعرض الباحث في تاريخ إفريقيا السوداء إلى صعوبات جمة ناشئة عن انعدام المصادر. وخاصة منها المصادر البعيدة عن الأغراض والتي لا يتطرق الشك إلى صحة روايتها. وهناك عقبة كأداة لم يستطع الباحثون لحد الآن أن يدللوها لمعرفة حقيقة المدنيات التي تعاقبت على إفريقيا السوداء وهي فقدان الكتابة خلال قرون عديدة، إلى القرون الوسطى حين أدخل الفتح الإسلامي في الجزء الغربي بالخصوص من هذه القارة الكتابة العربية فأصبحت لغة التراسل والمعاملات والعقود وما إلى ذلك. وإذا عرفنا أن نشوء الممالك الإفريقية يرجع إلى بدء التاريخ، أدركنا ما أضاعه عدم استعمال الكتابة من أخبار الدول والمدنيات التي نشأت في إفريقيا السوداء.

وإن الباحث ليندهش من وفرة الدول والممالك التي شهدتها هذه الأرض والتي لم يبق من أغلبها إلا الأسماء. فلقد عفت آثارها تحت مفعول الأحداث الجسام التي مرت على إفريقيا السوداء منذ فجر التاريخ إلى الآن. إذ كانت على الدوام مسرحا لقيام دول وزوال أخرى. وكل دولة تأتي إنما كانت تقوم على أنقاض سابقتها. فلا يبقى من آثارها -بسبب انعدام الكتابة- إلا ما يتناقله المنشدون والعامة من أساطير وخرافات مما جعل الباحثين المعاصرين ييأسون من كتابة تاريخ هذه القارة عبارة عن مشاجرات قبلية لا تستحق الذكر. وهو زعم باطل كما سنرى من خلال حديثنا عن بعض الممالك الإسلامية.

ثم إن الغزو الأوروبي منذ القرن السابع عشر إلى اليوم قضى على ما تبقى من المصادر التي يمكن أن يرجع إليها الباحث في تاريخ إفريقيا السوداء. إذ زيادة على ضياع الكثير من الكتب التاريخية خلال الأحقاب الأخيرة بسبب الإهمال والحروب، فقد نقلت وثائق كثيرة إلى المكاتب الأوربية ولم يعرف ما تتضمنه لحد الآن. بينما أخذ بعض أدعياء التاريخ من الأوربيين يضعون مؤلفات أبعد ما تكون عن النزاهة فيرفعون من شأن الغزو الأوروبي ويحطون من قدر المقاومين الأبطال الذين اعترضوا سبيله، كما ينالون من مكانة الدول التي نشأت قبل هذا الغزو بعدة قرون. وأغرب من هذا وذاك أن تاريخ إفريقيا السوداء في نظر هؤلاء إنما يبتدئ من الغزو الأوربي. وكل ما سبق هذا الغزو إنما هو لغو وأساطير إن لم يكن همجية ووحشية.

على هذا الأساس كان يلقن تاريخ إفريقيا السوداء إلى الناشئة.

ومن حسن الحظ أن استرجاع هذه القارة لحريتها اقترن بنهضة تاريخية بدأنا نشاهد بوادرنا الآن، حيث راح كثير من الباحثين الأفارقة ينقبون على دفائن تاريخهم، ويحاولون استكناه أسرارها. وظهرت بعض المؤلفات التي تشير إلى المدنيات التي تعاقبت على هذه القارة. ويشارك في هذا المجهود بعض المنقبين الأوربيين كذلك.

إنه مجهود ما يزال على طور الابتداء، لكنه ينبئ عن حضارات زاهرة سبقت الحضارة الحديثة بقرون.

وفيما يخص الموضوع الذي جعلناه حديثا اليوم وهو الممالك الإسلامية في إفريقيا السوداء، فإن هناك بعض المصادر التي يمكن أن يرجع إليها الباحث. فهي وإن كانت لا تفي بكل جوانب الموضوع إلا أنها تعطي صورة تقريبية عما بلغته هذه الممالك من ازدهار ورقي.

وفي المقدمة نجد المصادر العربية لأشهر المؤرخين والجغرافيين والرحالة. وذلك أن إفريقيا السوداء مذ كانت وهي متصلة بالمغرب وإفريقيا الشمالية عموما، خصوصا بعدما دخل الجمل إلى هذه القارة قبل فجر التاريخ بقليل فأحدث ثورة في طرق المواصلات لا تقل في ذلك العصر عن الثورة التي أحدثتها المواصلات الجوية في تقارب الشعوب في عصرنا هذا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤١٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤١٠٠