تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن مظاهر التسرب الإسرائيلي في المنطقة تمتد -في الواقع- على أبعاد مختلفة وواسعة، وتشكل في مجموعها تهديدا أساسيا وبعيد الخطورة يستهدف المستقبل القريب للأمة العربية.

ونحن على هذه الرقعة الأرضية الشاسعة الممتدة من الخليج إلى المحيط يتوافر لنا-بالفعل- بعض الإدراك والوعي لحقائق الواقع الإسرائيلي، وما يجسمه من احتمالات ذات خطورة متناهية تمس أهدافنا وغاياتنا، ومطامحنا في الوجود والاستقرار والنمو والتطور، وتتوافر لنا أيضا إرادة قوية مشتركة تضمنا على "القول" بوجود مجابهة هذه الاحتمالات ومواجهة ما تنطوي عليه من تعقيدات ممكنة، وهذه الإرادة المبدئية الجماعية قد كانت بالفعل أساسا لحدوث هذا التطور النسبي على مفهوم مقاومتنا للتوسع الإسرائيلي فكان لنا من ذلك سبيل إلى إصابة قدر من النجاح في تحديد النطاق حول هذا التوسع، وعزل الميادين التي يمتد عليها عزلا جزئيا أو شاملا، ومن مظاهر ذلك:

1 - أحكام حلقات الحصار الاقتصادي حول الدولة الصهيونية وذلك بصورة -وإن كانت محدودة- إلا أنها ذات فاعلية وتأثير لا تنكر أهميتها.

2 - تحديد المجال الذي يمتد عليه نشاط هذه الدولة في المضمار الدولي والعالمي وتدمير كثير من عناصر التخطيط السياسي التوسعي الذي تعمتده في هذا السبيل.

3 - إجبارها على البقاء باستمرار داخل دوامة الحرب والتأهب للحرب سواء على الصعيد النفساني أو العملي واضطرارها إلى استنفاذ المزيد من طاقاتها وممكناتها المالية والاقتصادية والتنظيمية من أجل هذا التأهب وفي سبيل أحكامه. إن ظواهر المقاومة العربية هذه تمتد -كما تمكن ملاحظته- على جوانب حيوية وهامة، إن لم تكن تنال من جوهر الأساس الذي يقوم عليه بناء إسرائيل، فإنها تمس -في الوقت الحاضر على الأقل- قدرا مهما من المصالح الإسرائلية الضرورية في ميادين الساسة والمال والاقتصاد، وتسهم -علاوة على ذلك- في تجميد بعض الإمكانيات التي تتوافر للدولة الصهيونية في مجال العلاقات الدولية العامة.

غير أن مرور أكثر من ثلاثة عشر سنة على قيام النظام الإسرائيلي في فلسطين يجب أن يكون كافيا لتطوير مفهومنا الكلاسيكي المألوف عن المقاومة ومقتضياتها، وحافزا لنا على الشعور بضرورة توسيع نظرتنا إلى هذه المقاومة التي يتوقف عليها استمرار وجودنا الدولي الفعال، والسعي في تطويرها على شكل يضمن مراقبة أكثر دقة وتنظيمها، وأشد فاعلية وعمقا لنشاط الدولة الصهيونية ومظاهر نموها الذاتي وامتدادها الخارجي بمجموع المقدرات والإمكانيات التي تتوافر لها، والنفوذ بعد ذلك إلى تحديد القوى الإيجابية الكامنة في هذه المقدرات والإمكانيات.

إن الدولة المقامة في عقر الوطن العربي -على الرغم من عدم طبيعية الأساس الاقتصادي والديمغرافي والسياسي الذي ترتكز عليه فإنها- مع ذلك تمتد بعض الإمتيازات الهامة التي تتهيأ لها، والتي هي نتيجة حتمية لطبيعة تكوينها الخاص القائم على هذه الصفة غير الطبيعية، ومن هذه الإمتيازات:

1 - صفة سكانها، وأكثريتهم من أولئك الذين تم تهجيرهم على أساس برنامج منظم ومنهج مدروس يستهدف تزويد الدولة الجديدة بأقوى العناصر الديمغرافية وأكثرها ملائمة لعملية التطور والتوسع والإنماء وأوفرها استعدادا من الناحية الذهنية والتنظيمية والمالية وغيرها.

2 - ارتباطاتها شبه العضوية ببعض دول الغرب ذات الإمكانيات الواسعة الضخمة، كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، وعلاقاتها القوية المحكمة بدول أخرى لها أهميتها الاقتصادية والسياسية في القارة الأوربية والأمريكية على الأخص.

3 - سيطرتها المعنوية على عدد من العناصر السكانية في كثير من بلاد العالم بحكم أصلية هذه العناصر واعتزائها جدريا إلى السامية اليهودية، وتأثرها بجواذب الحملات الدعائية التي يشنها الصهيونيون في هذا المضمار، ولا شك في أن أن ما يصل إسرائيل بهذه العناصر يكفل للدولة الصهيونية الحصول على عدد من المنافع السياسية والمالية والاقتصادية مختلفة الأهمية والقيمة.

الوضعية الناشزة التي تعيشها إسرائيل في قلب الوطن العربي، وعلى الرغم من أن شذوذ هذه الوضعية يعتبر حالة سلبية لا تحفل بالإمكانيات

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٠٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٠٨٥