وهذه التهديدات التي تمارسها إسرائيل باستمرار تكون في الواقع عنصرا هاما من عناصر المشكلة الدولية العامة بالشرق الأوسط وتتداخل عواملها وتفاعلاتها مع كثير من الاتجاهات المريبة التي اتخذتها هذه المشكلة في الماضي أو يمكن تسلكها في المستقبل.
وإذا أشرنا إلى التهديدات الإسرائيلية، واتجهت أذهاننا إلى تصور المخاطر التي تنطوي عليها، فإنه سرعان ما تمثل أمامنا وضعية جيش أجنبي كامل الاستعداد كالجيش الإسرائيلي الذي يرابط بوحداته وجموعه في جزء هام وأساسي من عالمنا العربي وتتوافر له إمكانيات العدوان السافر وغير المباشر، وذلك نتيجة لوجوده مرتبطا بتوجيه سياسي تسلطي، تحدوه أهداف توسعية امتدادية، وتذكي عزمه مقاصد اكتساحية، هذا بالإضافة إلى ما هو مهيأ لهذا الجيش من وسائل التسلح الهجومي بمختلف أصنافه وأنواعه وما ينعم به من تواطؤات دولية واسعة النطاق تمتد شبكاتها المعقدة عبر القارتين الأمريكية والأوربية.
والتهديد الإسرائيلي يتمثل لنا أيضا فيما تبديه السلطات الصهيونية من حرص على تحقيق أكبر قسط من التوسع الاقتصادي والتبادلي والفني والمالي عبر القارتين الإفريقية والآسيوية.
إن عالم الدولة النامية في آسيا وإفريقيا هو عالم زاخر بالإمكانيات البكر من كل نوع، طافح بمصادر الطاقة والقوى الطبيعية على اختلاف مصادرها وصلاحياتها، متهيئ لاستيعاب الإنتاج والتنمية بكل فروعها وتشعباتها، متفتح -كسوق عالمي ضخم- لاستقبال واستهلاك ثمرات النشاط الصناعي والاقتصادي القائم على أسس هذه المشاريع.
والتطورات السياسية والدولية الهامة التي أفضت إلى تصفية النظام الاستعماري القديم وقيام أوضاع سياسية جديدة مرتكزة على أساس الحكم القومي في أغلبية أرجاء القارتين الملونتين، هذه التطورات قد كان من بين نتائجها أن ساعدت إسرائيل على استشراف آفاق جديدة للامتداد والتوسع الاقتصادي واستدراج كثير من الحكومات الإفريقية والآسيوية إلى احتضان بعض المشاريع الاقتصادية الإسرائيلية المقترحة تتيح لهذا التوسع والامتداد أن يبلغا مداهما. ولا شك أن استمرار هذه المظاهر وتطورها من شأنه أن يشكل تهديدا مباشرا للمصائر العربية في إفريقيا وآسيا سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية. وإلى ذلك فإن التهديد الإسرائيلي يتجلى لنا في صور أخرى عديدة غير هذه، يتجلى فيما يحدثه وجود هذه الدولة الواغلة من تأثير على استقرار الأحوال السياسية والدولية بقطاع الشرق الأوسط ومنطقة المتوسط الشرقي، وما تثيره اتجاهاتها الملتوية الغامضة من ارتجاجات وتعقدات سياسية بهذا القطاع، ذلك أن واقع الكيان المنبثق عن قيام إسرائيل والملابسات السياسية والدولية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة التي تحيط حتميا بوجوده، هذا الواقع المبهم، وهذه الملابسات الملتوية من الطبيعي أن تكون لهما انعكاسات حقيقية على منهج السلوك السياسي الإسرائيلي، والأسلوب الذي تتقفاه هذه الدولة في ممارسة نشاطها السياسي والديبلوماسي، والطريقة التي تنهجها في تعاملها الدولي وتفاعلها من تطورات الأحداث المتلاحقة على الصعيد العالمي بصورة عامة وفي منطقة الشرق الأوسط بصفة أخص.
وليس هناك من ريب في أن التواءات التخطيط السياسي الإسرائيلي وانطوائه على عناصر تآمرية وتسللية بارعة واستناده أساسا إلى جملة من المعطيات المبدئية ذات الصبغة الميكافيلية المعقدة، لاشك في أن هذا التخطيط السياسي يقوم كعامل رئيسي في استمرار بعض حالات الارتباك الدائم في منطقة المتوسط الشرقي ومظاهر عدم الاستقرار العام الذي تسود بعض ربوعه.
إن الكثير من التداخلات الدولية التي تعاني منها هذه المنطقة، والتي تتخذ أحيانا صورا سافرة وأحيانا أخرى أشكالا مقنعة، هذه التداخلات تسهم فعليا في تعقيد الأحوال العامة بالشرق الأوسط، ومن الجلي أن السياسة الإسرائيلية في الحقل الدولي والإقليمي تستثير بطبيعة اتجاهاتها ومراميها مثل هذه التداخلات والتعقيدات، أما تعليل ذلك فيتجلى في حرص إسرائيل على اصطناع أجواء البلبلة والغموض في المنطقة العربية التي تجثم على جزء منها، وذلك باعتبار أن هذه الأجواء تؤثر -إلى حد بعيد- في تعزيز بوادر التسلل السياسي عبر دول هذه المنطقة، وتركيز عمليات الحرب النفسانية بين ربوعها بشكل دائم ومستمر.