والاحتمالات الإنشائية، فإن هذا الشذوذ مع ذلك من شأنه أن يحدو بالسكان الإسرائيليين إلى السعي الدائب للتغلب على آثار هذه الوضعية التي تحوطهم بالشرق العربي، وذلك عن طريق الاعتماد على وسائل الانجاز المادي التقني في مختلف الميادين، واستغلال الفرص التي تتوافر لهم في مجال التعاون والتواطؤ الدولي ومضاعفة عمليات التسلل العلمي والاقتصادي على اختلاف درجاته ونسبه، والاستفادة من كل ذلك في اصطناع نوع من التوازن في الإمكانيات التي تتوافر لهم من جهة، وللعالم العربي الشرقي من جهة أخرى.
والواقع أن المسيرين الإسرائيليين يغالون كثيرا في تقدير قيمة هذه الإمكانيات التي تتوافر لهم، وهم يركنون إلى الاعتماد على بعضها وذلك إلى درجة غريبة تتجافي والمنطق السليم، غير أن هؤلاء المسيرين لا بد أن يدركوا -مع ذلك- أن الإتكال على مشاعر الجاليات اليهودية العالمية، والاستناد إلى مظاهر الدول الأجنبية العاطفة لا يمكن ن يستمر إلى ما لا نهاية له، وأن المبالغة في تقييم أهمية العون الخارجي وتأثيره على مستقبل الدولة اليهودية ليس من الحكمة والحصافة في شيء، ولهذا فقد كان من الطبيعي أن يزداد حرص إسرائيل على توسيع آفاق نشاطها التطوري في بعض الميادين الحيوية الضرورية، وكان من المعقول أيضا أن يشتد ولعها باستكمال بعض عناصر النمو الداخلي في صوره المختلفة المتعددة حتى يكون لها من ذلك سبيل إلى توفير المزيد من الطاقة التي تمكنها من الاستغناء عن العون الخارجي في المستقبل وتيسر لها وسائل الاكتفاء الذاتي في مختلف الميادين، ولا يقتصر اهتمام المسؤولين الإسرائيليين -في هذا المجال- على النواحي التقليدية المألوفة من مشاريع التوسع والإنماء، بل إنهم يبدون -إلى ذلك- قدرا كبيرا من الحرص على تطوير مجموع القطاع الاقتصادي العام وإدماجه في القطاع العلمي المختبري بكل ما يتصل به من ميادين البحث والاستكشاف والابتكار، وهذه الناحية بالذات -ناحية التطور العلمي الحياتي في إسرائيل هي من أبرز نواحي التهديد الذي تشكله هذه الدولة على مجموع البلاد العربية، خاصة وأن هذا التطور يكاد يتخذ شكل "تواطؤ" دولي منظم يستهدف أحداث قدر من التفاوت في الطاقة والاستعداد بين الدولة الصهيونية من جهة وبين مجموع دول الشرق الأوسط العربي من جهة ثانية، ولذلك كان من اللازم أن تصبح الأوساط العلمية في إسرائيل وهي تكاد تلتقي في خط واحد من التعاون والتساند مع الكثير من الهيئات والمؤسسات العلمية في فرنسا وغيرها، وليس من غريب الصدف أن ينفسح إطار هذا التعاون والتساند ويتسع مضمونها اتساعا بعد أزمة السويس وفشل الحملة الثلاثية على مصر، ومن الطبيعي أن تفضي الجهود الدولية في ميدان هذا النوع من التعاون مع إسرائيل إلى بعض نتائجها المتوقعة هذه النتائج التي كان من أبرزها في الفترة الأخيرة: النجاح في إقامة مفاعل ذري في صحراء النقب، مع ما يمكن أن يكون هناك من ارتباط بعيد المدى بين تنصيب هذا الجهاز وبين الاتجاهات المريبة التي يتبناها الإسرائيليون ويقيمون على أساسها قواعد وجودهم واستمرارهم بالمنطقة العربية في الشرق الأوسط.
وقد أعلنت السلطات الإسرائيلية -منذ عدة أشهر- عن نبأ التوصل إلى طريقة علمية حديثة تمكن الدكتور جرحي على أساسها من عزل العناصر الكيميائية التي تسبب ملوحة مياة البحر، وغدا في هذا الإمكان اعتماد هذه الطريقة في أعذاب كميات لا حصر لها من مياه البحر الأبيض المتوسط الذي تتوفر إسرائيل على حظ طويل من شواطئه.
وقد استغلت الأجهزة الدعائية الإسرائيلية فرصة الإعلان عن هذا النبأ، فكان لها من ذلك سبيل إلى توسيع نطاق حملاتها السيكولوجية المنظمة، والإغراق في اصطناع التظاهرات الدعائية المحبوكة التي تستند إليها كثيرا في تركيز وجودها الدولي بمنطقة الشرق الأوسط.
وليس هناك من التفاصيل الدقيقة ما يمكن أن يبلور في الأذهان صورة واضحة عن القيمة العملية لجهاز الدكتور جرحي الباحث الإسرائيلي، وقد تكون نسبة كبيرة من هذه القيمة ذات فاعلية دعائية أكثر منها علمية تطبيقية.
وإن الأساليب النفسانية التي تم الاعتماد عليها في الإعلان عن هذا الجهاز قد توحي بذلك وتؤكده بعض الشيء، وقد ذهبت المصالح السيكولوجية الإسرائيلية في استغلال هذه الأساليب إلى حد الإدلاء بمدعيات غريبة تستهدف إبراز حكومة الجمهورية العربية المتحدة في مظهر المشدوه من طرافة جهاز الدكتور جرحي، الحريص على الاستفاذة منه، والانتفاع به في تنفيذ برامج الري واستصلاح الأراضي الصحراوية.