هذه اللغات، على ألا يكون ذلك على حساب العقيدة أهم المقومات الأساسية للقومية الإسلامية، ومن هنا كانت محاولة التوفيق بين تلقي العلم والحضارة وبين الإبقاء على التراث الإسلامي أهم مشكل أمام الأقطار الإسلامية عموما والعربية على الخصوص، فالطفل المسلم يجد نفسه أمام ذلك الثقل الكبير من التعرف على اللغات المختلفة الأصول: فهو لا بد أن يتعرف أولا على لغته القومية المحلية إن كانت مكتوبة، ولابد بعد ذلك أن يتعلم اللغة الأساسية في الدراسة العلمية، أي إحدى اللغات العالمية الأوربية، وأخيرا لا بد من لغة ثالثة من اللغات العالمية الأوربية أيضا، وبعدها تأتي العربية، وفي كثير من الأحيان تكتفي البرامج التعليمية بثلاث لغات: قومية، وعلمية أو عالمية، ثم لغة العقيدة.
لكن الواقع الذي تسير عليه الغالبية العظمى من البلاد الإسلامية، هو أن العربية كلغة عقيدة لم تصل إلى درجة المساواة، بل وحتى في بعض البلاد العربية، مع اللغات الأوربية مهما كانت ضئيلة القيمة، ولعل لهذا علاقة بضعف إمكانيات العربية في حد ذاتها بالنسبة للحضارة الحديثة، ولكن هذا لا يضيرها من حيث أنها لغة العقيدة، والمهم هو أن المشكلة القائمة هي كثرة الواجبات من حيث تعلم الطفل المسلم للغات إن نحن أردنا له أن يشب متمسكا بتقاليده وقيمه الروحية إلى جانب أخذه بنصيب وافر من العلم، إن هذه المشكلة قد سمعتها من أفواه العديد من أبناء المسلمين، والغريب أن ذلك يحصل في بعض الأقطار الإسلامية التي كانت تحاول أن تضع دستورا قرآنيا لدولتها، وتحاول أن تتخذ اللغة العربية لغتها الرسمية: لكنها في الواقع التطبيقي تترك الخيار للطلبة في المرحلة الأخيرة من التعليم الثانوي أو العالي لتعلم العربية كلغة ثالثة أو رابعة، الأمر الذي يتعارض مع الدعاية الرسمية، مما دعا أحد أبناء هذه البلاد أن يعلن صراحة في نقاشه قائلا: (إن بلاده ستتأخر لمدة قرن من الزمن إن هي اتخذت العربية لغتها الرسمية).
إننا نواجه في الظروف الراهنة مشكلة تطور اللغة العربية، ونواجه أيضا مسألة الإمكانيات المادية والمعنوية التي يجب أن تتوفر عليها هذه اللغة، أما قضية الأفكار العاطفية التي تبديها بعض الشعوب الإسلامية نحو العربية فلا يحل الإشكال أبدا، إن غينيا مثلا تحاول أن تتخذ العربية لغتها الرسمية، وهذا أقرب إلى الواقع من المحاولة التي قامت بها باكستان، الدولة الإسلامية الكبرى، منذ ما يزيد على العشر سنين ذلك أن غينيا قد عمدت إلى اتخاذ العربية كلغة رسمية بسبب من واقعها، فهي لا تتوفر على لغة ذات إمكانيات من حيث الكتابة بالإضافة إلى إدراكها لمدى خطورة الاستعمار والسيطرة الفكرية التي تفرضها لغة المحتل الغاصب.
والمسيحية في الواقع لم تعمل، سواء في إفريقيا أم في آسيا، إلا أن نشرت اللغات الأوربية على اختلاف أنواعها، فرنسية أو إنجليزية أو ألمانية أو إيطالية أوغيرها، فالمجهودات العظمى التي تقوم بها البلاد المتخلفة هي من هذا القبيل، ولذلك وجدت من الدول الاستعمارية على الرغم من تعارض الأهداف في الظاهر خير عضد في حملاتها التبشيرية، وإذا كانت اللغات الأوربية تتوفر على ميزات حضارية أكسبتها شهرة وقوة، فإن الإمكانيات المادية التي تتلقاها الكنيسة من دولها، والمساعدة التي تجدها من الإدارات المحلية المنحرفة، لهي خير ضمان لمواصلة نجاحها وبقاء سيطرتها.
والخلاصة من كل هذا، هي أن اللغة العربية قد وجدت منذ قيام القوميات القديمة للشعوب الإسلامية غير العربية، والتي لم تنصهر في البوتقة العربية، عراقيل وحواجز اضطرتها شيئا فشيئا إلى الانكماش، فتخلت عن مصاحبة الدعوة الإسلامية في المجالات البعيدة، وقد كان هذا الانكماش خسارة كبيرة لحقت بالدعوة الإسلامية كدعوة إنسانية عالمية، ولو قدر للعربية أن تتابع انتشارها جنبا لجنب مع هذه الدعوة لتغير وجه التاريخ، ولما أصبحت العقيدة الإسلامية على الأقل تعاني ما عانته من الكوارت والنكبات.
وإذا كانت الأسباب في القرون الماضية قد عملت على قهر اللغة العربية، فإن الظروف الحالية والمستقبلة لهي ظروف حسنة في صالح العربية لتصبح لغة عالمية، لغة العلم والحضارة، لغة العقيدة للملايين من البشر الذين أصبحوا قوة في العالم تؤثر في سيره وتوجيهه، وهذه هي خلاصة هدف الدعوة التي قام بها السيد جمال الدين الأفغاني منذ نحو القرن، لقد قام يدعو المسلمين للعمل على أن يكونوا قوة، قوة تقهر جميع القوى إذا توفرت لها الإمكانيات الضرورية، وأهمها التمسك بالعقيدة وفهمها الفهم الصحيح الخالي من الجهل والخرافة.
نعم لقد أصبح المسلمون اليوم قوة، وهذا آخر وأول معقل للاستعمار يتحطم في الجزائر، فلم يبق للمسلمين إلا خدمة الدعوة الإسلامية وتعمق فهمها لتشع على الملايين الذين لم تصلهم بعد نعمة الإسلام.
الرباط - رشيد نجار