تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمر اللهجات المحلية في كل البلاد غير العربية، وانحسرت اللغة العربية من جديد إلى موطنها الأول بالجزيرة العربية والعراق والشام، بالإضافة إلى الأطراف الشمالية والشرقية من إفريقيا حيث تمركزت بسبب من كثرة الهجرات العربية إلى هذه الأصقاع وبسبب من الروابط والوشائج المتينة بين العربية نفسها، واللغات الأصلية لجماعات البربر وأهل الحبشة والنوبة.

وهنا يمكن القول، بعد انكماش اللغة العربية ومزاحمتها من قبل اللغات الشرقية التي كانت خاضعة لسلطانها، بأن العربية قد أرغمت نهائيا على التخلف عن مصاحبة الدعوة الإسلامية في انتشارها السلمي الهادئ بمجاهل إفريقيا وأقطار آسيا البعيدة.

لكن اللغة العربية قد قضي عليها نهائيا كلغة علم، وكلغة حضارة، عندما اضطرت على عهد بني عثمان إلى الابتعاد عن الإدارة وعن الحياة العملية، فأحلت التركية محلها، وبذلك انزوت العربية في بعض المساجد والجوامع، وأهمها جامع الأزهر، والزيتونة، والقرويين، لتواصل فقط محاولات هامة للمحافظة على تراث العقيدة الإسلامية من علوم دينية ولغوية لا علاقة لها بالحياة في أغلب الأحوال.

إن الدعوة الإسلامية، كما هو معروف، قد قامت أساسا على اللغة العربية في أعلى مراتب فصاحتها وكانت ظاهرة الإعجاز القرآني أهم ظاهرة اعتمدت عليها الدعوة أيام أن كان سيف الإسلام ضعيفا ثم بعد أن قوي أيضا، وقد ظلت الدراسات الإسلامية والعربية واللغوية خاضعة في معظم أمرها لدراسة ناحية هذا الإعجاز القرآني الرفيع، الأمر الذي يدل على مدى أهمية اللغة العربية في فهم أسرار العقيدة الإسلامية.

فما هي نتائج هذا التخلف وذلك الانطواء الذي حل بالعربية؟:

لقد سيطرت العجمة، في القرن الماضي على الخصوص، على مجموع البلاد العربية التي نكبت بالسيطرة التركية، التي أسلمتها بدورها إلى الاستعمار الغربي، وعم الجهل والخرافة بين أبناء العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، حتى أصبح أهل العربية، أو بعض الممسوخين من أبنائها، يطالبون في دعوات مغرضة أتت إليهم ضمن الجيوش الاستعمارية، وجيوش الجهل، بأن يتخذوا من العاميات في مختلف أجزاء البلاد العربية لغات محلية إقليمية لتحل محل اللغة الفصحى، وأوحي إلى البعض الآخر من هؤلاء بأن ينادي باستعمال الحروف اللاتينية لتسهيل الكتابة والقراءة .. إلى غير ذلك من الآراء والأفكار الأجنبية المغرضة التي غزت الشرق العربي.

وبهذه الحال ضعف السلاح الحاد الذي كان بيد الدعوة الإسلامية، وإذا كانت الظروف المحيطة باللغة العربية في القرن الماضي قد زالت، كما زالت الظروف السياسية الاستعمارية التي خلفتها قرون طويلة من التحكم الأجنبي في رقاب المسلمين، فإن المشكلة التي تواجه اليوم العرب والمسلمين عموما، هي مشكلة النهوض بلغة القرآن لتحتل مكانتها كلغة عالمية كما كانت الحال في عصور ازدهارها، وبذلك فقط يمكن لها أن تستعيد أمجادها وحيويتها لتدفع بالدعوة الإسلامية إلى الانتشار والتسرب بطرق سلمية وإنسانية تتفق وأهدافها.

ولكن هل الدول الإسلامية، التي تخلصت من الاستعمار المادي، وتحاول أن تتخلص من بقايا الاستعمار الفكري والروحي وبقايا التبعية، هل هذه الدول تسعى اليوم وتفكر جادة في مصير الدعوة الإسلامية، وبالتالي في مصير اللغة العربية كسلاح حاد في يد هذه الدعوة؟

وهنا نصل إلى المشكلة الثقافية العويصة التي تركها التخلف والاستعمار، وهي المشكلة التي أدخلت اضطرابات خطيرة على عقلية أبناء المسلمين وأحدثت ذبذبة فيما بينها، ذلك أن اللغات الاستعمارية حلت محل اللغة العربية أو اللغات القومية بجميع بلاد المسلمين، باعتبار أن اللغات الأوربية هي حاملة الحضارة والتقدم وأن اللغات المحلية لغات متأخرة وأصابها الهرم، بل وفيها اللغات التي لا تكتب، والواقع أن هذه اللغات مهما قيل عنها، فهي قد شهدت حضارات ذات طابع إقليمي وذات مميزات إنسانية، وليس المهم هو أن تكون أي لغة في مقدمة الركب الإنساني على الرغم من أن هذا هدف يسعى إليه الجميع، بل المهم هو أن تكون لكل جماعة ذاتيتها وطابعها الخاص، ولكن المستعمر عمد منذ أول أمره إلى محاولة القضاء على اللغات الإقليمية أينما حل، وكانت العربية في مقدمة الضحايا.

واللغات الأروبية قدر لها في الواقع أن تسع الحضارة الحديثة وتكون الوسيلة السهلة لتلقي العلم الحديث الذي نقلته شعوبها عن الحضارة الإسلامية وطورته، فكان لابد للبلاد المتخلفة أن تتعلم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٠٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٠٥٣