تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 .................... ص 14

الإسلام دين ودولة

للأستاذ: عبدالرحمن الكتاني

أخطأ كثير المسلمين في القرون الأخيرة حينما اعتقدوا أن الإسلام دين يعنى بالناحية العبادية دون غيرها من النواحي، ففارقوا العمل لصالح الدنيا، معتقدين أنهم بذلك يرضون ربهم، وضاعف خطورة هذا الخطأ وقوعه في الوقت الذي استيقظ فيه العالم الغربي من سباته الطويل الذي دامعدة قرون، وتهافت على علوم الدنيا يحذقها ويتبارى فيها، ونظم دولة تنظيما عصريا، وكان التقدم الصناعي الذي وصل إليه الغرب الطليعة الأولى التي مهدت له استعمار العالم الإسلامي، واستغلال خيراته.

كما أخطأ كثير من الشباب المثقف ثقافة أجنبية حينما اعتقدوا أن الدين عامل من عوامل التأخر، وأنه لا يمكن لأية دولة إسلامية أن تساير حضارة القرن العشرين إلا بعد أن تفارقه، وزادوا فتحدثوا عن وجوب فصل الدين عن الدولة رسميا.

ولو قدر لهم أن يدرسوا دينهم الحنيف من منابعه الأصلية، وتاريخهم الإسلامي من مصارده العربية، لعلموا أن الحقيقية ليست معهم ولا مع أولئك فالإسلام الذي اختاره الله للإنسانية كلها دين جمع بين مصالح الدين والدنيا.

فالتوحيد يعلمنا الخضوع لسلطة واحدة هي سلطة مبدع الكون سبحانه الجديرة بالخضوع والعبادة، لأنها السبب في إيجادنا وإمدادنا.

والصلاة تربطنا بخالقنا خمس مرات في اليوم، فنتذكر أوامره ونواهيه أثناء قراءتنا للقرآن.

والزكاة تعد شكرا لنعمه سبحانه، وقياما بما يفرضه علينا الواجب الإنساني نحو إخواننا الفقراء والمعوزين، ولم نظمت أحسن تنظيم لكانت أساسا متينا للضمان الاجتماعي في الإسلام.

والصوم يعلمنا تقوى الله والعطف على المساكين، ويقرب النفوس للملائكة ويعلمها مراقبة الله في السر.

والحج يدعونا للتجدد النفسي والتحرر الجسمي من رق العبودية لغير الله، ويفسح المجال أمامنا لعقد مؤتمرات إسلامية في مستوى عال وشهود منافع لنا وذكر اسمه تعالى في أيام معلومات والتكفير عن سيئاتنا واستيحاء العبر من تلك المشاهد.

وإذا درسنا القرآن والسنة وأضفنا إليهما الفقه الإسلامي الحر المستنبط منهما فسنرى عيكل الدولة يبهر الألباب ويحير العقول.

ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الله له بين سلطتي الدين والدنيا، فجعله خاتم النبيئين والمرسلين، ورئيس الدولة الإسلامية، ومصدر السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية والقائد الأعلى للجيش، وأعطاه الحق في إسناد الإمارة والوزارة والسفارة والعمالة لمن يشاء من أصحابه، أو عزلهم، ومفاوضة ملوك العالم ورؤسائه باسم الإسلام، وكان هذا طبعا في دائرة خلافة إلاهية في الأرض، مقيدة بدستور يعد أسمى دستور عرفه تاريخ العالم، دستور لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقد أعطى هذا الدستور لرئيس الحكومة النبوية حق تبيين مواده للناس وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، كما أعطاه حق الاجتهاد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٠٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٠٥٥