تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 .................... ص 11

التلقائية في انتشار الإسلام: اللغة العربية والدعوة الإسلامية

للأستاذ رشيد النجار

-3 -

عرفنا (*) فيما سبق ما آلت إليه حال المسلمين في النصف الثاني من القرن الماضي، حيث سيطرت على مقدرات حياتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية يد أجنبية غاصبة معادية لهم، كائدة لدينهم وملتهم، فجردتهم من جميع إمكانيات النهوض ومسايرة التقدم، وبذلك انتشر الخمول والخمود فشمل مظاهر الحياة في العالم الإسلامي.

وقد كانت أسباب هذا الوضع غير منحصرة في العوامل الأجنبية، بل إن حركة الاستعمار التي شملتهم ليست إلا نتيجة من نتائج التطورات التي لحقت المسلمين، وقد كان بحثنا في الحلقة الثانية منصبا على المظهر السياسي لحالة المسلمين في العصور الحديثة، لكن تلك التطورات والتجارب التي عاشها المسلمون قد جرت إلى نتائج في الميدان الثقافي ربما كان لها أعمق الآثار بشكل مباشر في الدعوة الإسلامية، أكثر من غيرها من الأسباب.

وما دمنا نعالج، بشكل مختصر وعابر، مختلف المظاهر البارزة في مشكل الدعوة الإسلامية، التي كانت في القرن الماضي وبداية هذا القرن تعاني حالة شاذة من الضعف والإضطراب، لا في الأقطار البعيدة النائية في أطراف آسيا وإفريقيا فقط، بل في عقر دارها وفي مراكزها الأولى أيضا، فإننا سنعرض هنا إلى وضعية اللغة العربية وتخلفها عن الدعوة كعامل من عوامل ضعف الرابطة الإسلامية بين الشعوب الإسلامية، ثم كعامل أساسي لفقدان تلك الدعوة سلاحها الحاد في مقاومة الزمن.

ذلك أن التطور قد جعل من الأداة التعبيرية أقوى الروابط بين الشعوب، وفي القديم كانت الروابط بين الأمم تقوم على أساس من العقيدة أكثر مما كانت تقوم على اللغة، لكن مع ذلك لم يكن هذا العامل قليل الأهمية في نشأة الأمم، فاللغة، ولاسيما بالنسبة للديانات، عامل أساسي وضروري لمجابهة التيارات المعاكسة، وقد قامت العربية بدورها، كما فعلت اللاتينية، في جمع كلمة الشعوب التي دخلت الإسلام وكانت تلك الشعوب نفسها هي العاملة في حقول العلم المختلفة على تزويد العربية بالذخائر والنفائس: فكان حظ الأجانب في خدمة العربية، بدافع الحماية والذب عن حياض العقيدة حظا وافرا وزاخرا، ولذلك كانت العربية في عز الحضارة الإسلامية، وحتى القرن الرابع الهجري، قد بلغت درجة اللغة العالمية بالنسبة للعالم القديم، وهذه النقطة هامة جدا في هذا المجال، لأن رقي اللغة بالنسبة للأمة، أو بالنسبة للعقيدة الناطقة بها، هو المقياس الصحيح لمدى رقيها أو لمدى قابليتها للحياة والاندفاع إلى الأمام في سبيل التقدم.

ولا يمكن القول بأن اللغة العربية قد تخلفت منذ النهضة الأولى للإسلام عن العقيدة الإسلامية في حركة انتشارها، بل كانت تسير معها جنبا لجنب طيلة قرون ازدهار الحضارة الإسلامية.

لكن هذا التخلف حل بلغة القرآن منذ ظهرت الأفكار الشعوبية على مسرح السياسة في بغداد وغيرها من العواصم الإسلامية، والعجيب حقا أن هذه الأفكار المعادية للعربية هي أيضا من الأجانب أتت، وكانت النتائج الحتمية للشعوبية أن انتعشت القوميات الإسلامية في أواسط آسيا، فنهضت اللغات الفارسية والتركية والأردية وغيرها، وقوي

(*) راجع العددين الرابع والثالث من هذه السنة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٠٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٠٥٢